ثمَّ ثلاثة اتجاهات يجري الحوار الإسلامي النصراني المعاصر في مضمارها، تنتظم هذا الكم من المؤتمرات والمنتديات، وتفصح عنها أدبيات ذلك الحوار وبياناته الختامية؛ وهي:
أولًا: اتجاه التقريب: وهو الاتجاه السائد، والمستمد من مقررات المجمع الفاتيكاني الثاني، ويمثل معظم المحاولات العالمية والإقليمية والمحلية التي يتواضع عليها المتحاورون. وأبرز معالمه ما يلي:
1 -اعتقاد (إيمان) الطرف الآخر، وتسويغه، وإن لم يبلغ الإيمان التام الذي يعتقده هو.
2 -الاعتراف بقيم الآخر، واحترام عقائده وشعائره، وعدم تخطئته أو تضليله أو تكفيره.
3-تجنب البحث في المسائل العقدية الفاصلة؛ للحفاظ على استمرارية الحوار.
4-الدعوة إلى معرفة الآخر كما يريد أن يُعرف، ورفع الأحكام المسبقة.
5-نبذ (التلفيقية) و (التوفيقية) ، واحتفاظ كل طرف بخصائصه.
6 -تجنب دعوة الآخر، ومحاولة اجتذابه، وحسبان ذلك خيانة لأدب الحوار.
7 -إبراز أوجه التشابه والاتفاق، وإقصاء أوجه التباين والافتراق.
8 -الدعوة إلى نسيان الماضي التاريخي، والاعتذار عن أخطائه، والتخلص من آثاره.
9 -التعاون على تحقيق القيم المشتركة.
10 -تبادل التهاني والزيارات والمجاملات في المناسبات الدينية المختلفة.
ثانيًا: اتجاه التوحيد: وهو اتجاه يستصحب معظم الخصائص السابقة لدى دعاة التقريب، ويزيد عليها ما يلي:
1 -اعتقاد صحة جميع المعتقدات، وصواب جميع صور العبادات.
2-الاشتراك في صلوات وممارسات وطقوس مشتركة.
ويمثل هذا الاتجاه غلاة الصوفية قديمًا، كابن عربي، وابن الفارض، والحلاج، وحديثًا بعض المتمسلمين الأوروبيين مثل (روجيه جارودي) ، و «فرقة الأبحاث الإسلامية المسيحية» ، المنبثقة عن دير سيننكا في فرنسا، ومجمع «سوبود» في إندونيسيا، وفروعه في ثمانين دولة.
ثالثًا: اتجاه التلفيق: وهو اتجاه يهدف إلى تشكيل دين جديد ملفق من أديان وملل شتى، ودعوة الآخرين للانخلاع من أوضاعهم السابقة، واعتناق دين مهجن، ويمثل هذا الاتجاه قديمًا (البهائية) ، وحديثًا (المونية) التي يعتنقها أكثر من ثلاثة ملايين شخص في العالم، وتعقد مؤتمرات للحوار باسم (المجلس العالمي للأديان) .
u الحوار المشروع:
لفظ (الحوار) مصطلح حادث، لا يحمل حقيقة شرعية يمكن الإحالة عليها، بل ولا يحمل دلالة قانونية مستقرة تكشف عن أبعاد استعمالاته، يقول د. عبد العزيز التويجري: (مفهوم الحوار في الفكر السياسي والثقافي المعاصر؛ من المفاهيم الجديدة، حديثة العهد بالتداول، ولعل مما يدل على جدة هذا المفهوم وحداثته أن جميع المواثيق والعهود الدولية التي صدرت في الخمسين سنة الأخيرة، بعد إنشاء منظمة الأمم المتحدة، تخلو من الإشارة إلى لفظ الحوار) (3) .
ولهذا لم يبق سوى الدلالة اللغوية، فالحوار مادته (حور) و (الحور: الرجوع عن الشيء إلى شيء... والمحاورة: المجاوبة. والتحاور: التجاوب) (4) ، قال الراغب: (والمحاورة والحوار: المرادة في الكلام، ومنه التحاور، قال ـ تعالى ـ: {وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا} [المجادلة: 1] ) (1) .
ولعل هذا هو السر في تحبيذ المشتغلين بالحوار لهذا اللفظ، وهو أنه لا يحمل هدفًا مبيتًا، أو التزامًا مسبقًا بشيء يحرج الداعين إليه، والمنخرطين فيه.
وحيث (لا مشاحة في الاصطلاح) ؛ فلا بد من البيان الذي يرفع الإبهام، والإيضاح الذي يزيل الالتباس، فنقول:
إن الحوار الشرعي نوعان:
الأول: حوار الدعوة: وهو وظيفة المرسلين، وخلفائهم من العلماء الربانيين، والدعاة الناصحين، وهو مشروع الأمة الإسلامية، وعنوان خيريتها على سائر الأمم. ومضمون هذا الحوار هي (الكلمة السواء) التي دل عليها قوله ـ تعالى ـ: {قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلاَّ نَعْبُدَ إلاَّ اللَّهَ وَلا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللَّهِ فَإن تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ } [آل عمران: 64] ، وأسلوبه هو ما دل عليه عموم قوله ـ تعالى ـ: {ادْعُ إلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ } [النحل: 125] ، وخصوص قوله: {وَلا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إلاَّ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إلاَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ وَقُولُوا آمَنَّا بِالَّذِي أُنزِلَ إلَيْنَا وَأُنزِلَ إلَيْكُمْ وَإلَهُنَا وَإلَهُكُمْ وَاحِدٌ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ} [العنكبوت: 46] ، وترجمته العملية سيرت صلى الله عليه وسلم في دعوة أهل الكتاب؛ من يهود المدينة، ونصارى نجران، ومكاتباته لملوك الأرض، ثم طريقة السابقين الأولين من الصحابة والتابعين والسلف الصالح، كمحاورة جعفر بن أبي طالب ـ رضي الله عنه ـ وأصحابه للنجاشي وبطارقته، وهدي الصحابة ـ رضوان الله عليهم ـ في معاملة أهل البلاد المفتوحة، وأسلوب العلماء الراسخين في مخاطبة أهل الكتاب، ككتاب شيخ الإسلام ابن تيمية إلى سرجوان (ملك قبرص) .
وأبرز خصائص هذا الحوار ما يلي: