-في حقبة السبعينيات الميلادية نشطت مؤتمرات الحوار الإسلامي النصراني في أوروبا الغربية؛ برعاية كنسية، وصبغة صوفية. وفي عقد الثمانينيات اتخذت منحى اجتماعيًا؛ بفعل الهجرة المتزايدة لأوروبا من البلاد الإسلامية، ورعتها مؤسسات اجتماعية وأكاديمية، ومع تنامي الوجود الإسلامي في أوروبا وتنظيمه في التسعينيات؛ بادرت حكومات غربية إلى احتضان الحوار وتوجيهه، وكذلك الحال في أمريكا الشمالية.
-في عام 1979م سعى الرئيس المصري الراحل أنور السادات ـ إثر اتفاقيات (كامب ديفيد) مع اليهود ـ إلى بناء (مجمع للأديان) في (وادي الراحة) في صحراء سيناء، يضم (مسجدًا، وكنيسة، وكنيسًا) ، وإلى طباعة القرآن الكريم، والتوراة، والإنجيل، في غلاف واحد.
-في عام 1986م دعا البابا «يوحنا بولس الثاني» إلى صلاة مشتركة بين أتباع مختلف الأديان في بلدة (إسيزي) الإيطالية، مسقط رأس القديس «فرانسيس الإسيزي» ، وأمّهم البابا في دعاء جماعي، وقد أخذت جمعية (سانت إيجيديو) التنصيرية الإيطالية على عاتقها تكرار هذه المناسبة، ولا تزال إلى يومنا هذا.
-في عام 1987م دعا المفكر الفرنسي «روجيه جارودي» ـ المنسوب إلى الإسلام ـ إلى (الملتقى الإبراهيمي) في قرطبة، واتخذ من (القلعة الحرة) مقرًا لمؤسسته ومتحفه.
-نشأ في بعض البلدان العربية ذات التعددية الدينية ـ كلبنان، والأردن، وفلسطين، وتونس، والسودان ـ جمعيات متخصصة، ومراكز للحوار الإسلامي النصراني، أسسها جماعة من النصارى العرب، ومدت الجسور مع نظيراتها في العالم الغربي، وعُنيت بنشر ثقافة التقريب، وعقد المؤتمرات، وإصدار المطبوعات.
هذا غيض من فيض من حركة دائبة، واسعة الانتشار، متنوعة المناشط، تجاوزت مؤتمراتها ثلاثمائة مؤتمر خلال أربعة عقود، تُعنى بها أكثر من مائة جمعية ومركز في أركان الأرض الأربعة.
u بواعث الحوار:
ثمَّ بواعث متعددة تكمن خلف المبادرة النصرانية للدعوة إلى الحوار مع المسلمين؛ منها:
أولًا: باعث الصد عن سبيل الله: قال ـ تعالى ـ: {قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ مَنْ آمَنَ تَبْغُونَهَا عِوَجًا وَأَنتُمْ شُهَدَاءُ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ} [آل عمران: 99] ، وقال: {وَقَالَت طَّائِفَةٌ مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ آمِنُوا بِالَّذِي أُنزِلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَجْهَ النَّهَارِ وَاكْفُرُوا آخِرَهُ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ} [آل عمران: 72] .
لقد راع الكنائس الغربية في العصر الحديث انفتاح شعوبها على الإسلام، واعتناق ألوف منهم إياه؛ بعدما أتيح لهم سماع كلمة الحق بشكل أفضل من ذي قبل ـ حين كانت الكنيسة تغذي رعاياها بمعلومات مغلوطة منفرة عن الإسلام، ونبي صلى الله عليه وسلم ، وكتابه، وتاريخه ـ، فحين انفتح الناس بعضهم على بعض؛ خطف بريق الإسلام أبصار الغربيين الذين تحرروا من هيمنة الكنيسة، واعتمدوا التفكير المنطقي الحر، فرأت المراجع الكنسية أن لا جدوى من المجابهة؛ فهي أضعف من أن تقف أمام متانة العقيدة الإسلامية، وإحكام شريعتها، بل إن التحدي سيُكسب الإسلام مزيدًا من الأنصار، ومن ثم تفتقت عقولهم عن فكرة (التقريب والحوار) للظهور أمام مواطنيهم بمظهر التآلف لا الندّية، والوفاق لا المجابهة، والحوار لا القطيعة؛ وبذلك يطفؤون روح التشوّف لدى رعاياهم، ويقرون في قلوبهم أن الفروق بين الأديان فروق شكلية، وكلها تؤدي إلى الله، فلا حاجة إلى تجشم عناء التغيير.
وقد أفصح عن هذا الباعث الخفي القس «أريا راجا» حين قال: «تواجه الكنيسة اليوم واقعًا يتسم بالجدة؛ ففي الماضي كانت العلاقة بالأديان الأخرى تساعد الكنيسة على إغناء ذاتها وتطوير إيمانها... أما اليوم فقد تبدلت الأوضاع تمامًا، ومن المهم أن نشير إلى بعض خصائص هذه الحقبة من تاريخ البشرية:
أولًا: لقد تحررت الأديان الأخرى من وطأة الاستعمار، وهي تطرح نفسها اليوم كبديل عن الإيمان المسيحي له شموليته، ولقد حدث في تلك الأديان ما يشبه النهضة خلال السنوات الأخيرة، فظهرت فيه حيوية جديدة...
ثانيًا: لقد توغلت تلك الديانات إلى حد بعيد، حتى في الغرب المسيحي؛ مما جعل من التعددية الدينية واقعًا في كل المجتمعات تقريبًا، فعدد المسلمين في فرنسا يفوق عدد المسيحيين المصلحين، ومسلمو بريطانيا أكثر من الميتوديين فيها...
ثالثًا: وربما كان هذا هو الأهم، هناك وعي متزايد لغنى الأديان الأخرى... كان المسلمون في الماضي يُحسبون منافسين، أما اليوم فنشهد اهتمامًا متزايدًا في مفهوم الإسلام للجماعة وللصلاة... وبعبارة أخرى: فإنه لا العدائية اللاهوتية، ولا اللامبالاة تجاه الأديان الأخرى مسموح بهما بعد اليوم، فالطرق التي انتهجها المسيحيون قديمًا في تعاملهم مع الأديان الأخرى لم تعد تكفي» (1) .