وقد صرح في اقتراحه بأن الهدف من ذلك هو إضعاف السنة على حساب تقوية الشيعة والأكراد؛ ليصبح أهل السنة في العراق"أولاد العم الفقراء"على حد تعبيره، ولم تسلم السعودية نفسها من مخططه. ولا بد أن نشير هنا إلى أن مجلس العلاقات الخارجية الأمريكي هو أحد مراكز التخطيط الإستراتيجي في أمريكا، والذي يجمع داخله كلاً من المخابرات الأمريكية، ووزارة الخارجية الأمريكية، وكبار أصحاب الشركات العملاقة، وهو ما يعني أن مثل هذه الاقتراحات التي تُعطى لها صفة العلانية في أشهر الصحف الأمريكية تعكس مخططاً كان يجري حبكه في أروقة البيت الأبيض قبل احتلال العراق بكثير. وتعليقاً على هذه التصريحات جاء مقال تحت عنوان: والآن... يبدأ طرح تقسيم العراق... لـ"إضعاف السنة"! في جريدة الحياة بتاريخ 28/11/ 2003 يربط بين القضية الفلسطينية ومقال) ليزلي) هذا .. مما يؤكد أن مشروع التقسيم الذي لن يُكتب له وجود إلا بدستور يؤيّده -مرتبط في العمق بصراع اليهود مع المسلمين؛ فالتقسيم من خلال الدستور العراقي ما هو إلا حلقة في سلسلة ذاك الصراع، وعيّنة من أجنداته الجديدة.
ولم تكن العاصمة لندن بعيدة عن مرحلة نشأة الدستور في هذا الطور؛ فقد كان لها الدور الكبير في تفعيل مبادرات التقسيم والترويج لدستور عراقي يسمح بذلك بعد الاحتلال؛ لذلك فقد دعمت كل أشكال المعارضة المتبنية لفكرة التقسيم؛ فكان"إعلان شيعة العراق"في لندن والذي ضم معظم أطياف الشيعة، وصرح فيه موفق الربيعي بإصرار الشيعة على مبدأ الفدرالية (الغطاء السياسي للتقسيم) ، وأن أي دستور لا يتضمن ذلك لن يُقبل قائلاً: تشهد الساحة السياسية حركة ساخنة فيما يتعلق بالوضع الداخلي للعراق ومستقبله السياسي؛ إذ يجري الكلام عالياً حول تغيير النظام الحاكم وضرورة إزالته من السلطة. وفي هذا السياق بات من المهم جداً تكرار التأكيدات السابقة بأن الوصول إلى صيغة سليمة لمستقبل العراق ومقبولة من قبل الشعب العراقي، لا بد أن تنطلق من المبادئ العامة التي حددها (إعلان شيعة العراق) والتي تنحصر في الأسس الثلاثة التالية:
1ـ الديموقراطية.
2ـ الفدرالية.
3ـ إلغاء سياسة التمييز الطائفي."انتهى"
وها نحن نرى اليوم ثمرات إعلان شيعة العراق متمثلة في الغياب التام للديموقراطية، والحضور التام للتمييز الطائفي ضد السنة، والتمرير التام لمشروع التقسيم المنصهر في الدستور تحت مظلة الفدرالية !
الطور الثالث: طور المخاض، وهو الطور الذي بدأ بفترة ما بعد سقوط بغداد"وتولي الحاكم الأمريكي (بول بريمر) إدارة شؤون العراق بقانون إدارة الدولة المؤقت، وما تلا ذلك من انتخابات وتشكيل الجمعية الوطنية العراقية؛ فالحكومة الانتقالية، وفي هذه المرحلة بالذات كان تركيز الاحتلال كله على التنظيمات الشيعية الصفوية، وكذلك الأكراد لإبرام اتفاق نهائي يتم على أساسه تنفيذ (السيناريو) الكامل لتمرير الدستور وإيجاد دولة عميلة لأمريكا كما صرح بذلك"جيمس كوجان"في مقالة نشرها بمركز البحوث العالمية في أمريكا, ولا عجب في ذلك؛ فالتاريخ يعيد نفسه؛ فدور الخيانة العلقمية العظمى الذي مارسه ابن العلقمي بتواطئه التاريخي مع هولاكو في احتلاله لبغداد لا يزال التشيع الصفوي يمارسه مع هولاكو العصر (أمريكا) ، وإذا كان نصير الدين الطوسي هو السند الشرعي والمرجعية في فتوى احتلال المغول لبغداد فإن بعض المراجع الشيعية الإيرانية في العراق بمن فيهم (السيستاني العراقي- الفارسي) هم من يمارس دور الطوسي اليوم في تأييد خطوات الاحتلال من بداية الغزو وحتى إقرار الدستور."
وباستكمال الأطوار الثلاثة بدأ الاحتلال وأذنابه بتمهيد الطريق لولادة الدستور العراقي الجديد في إطار فصول"مسرحية التمرير".
فالفصل الأول: ابتدأ بلجنة صياغة الدستور، فكان التركيز على هوية اللجنة من أولويات الاحتلال في تحقيق أهدافه. وإذا تتبعنا خيوط المسألة فسنجد أن حسم الأمر في هوية اللجنة قد تم سلفاً بمقتضى قانون إدارة الدولة، فعن ذلك القانون الاستعماري تمخضت الانتخابات بمواصفاتها المفتقرة إلى أدنى شروط النزاهة، مما دفع أهل السنة في العراق إلى مقاطعتها ليأسهم التام من كسب أي استحقاق سياسي، وفي تلك الأثناء كانت الطائرات الأمريكية -ومعها جحافل المتحالفين مع الاحتلال داخل العراق - تدك مدن السنة وبيوتهم بيتاً بيتاً باسم"مكافحة الإرهاب"لإثناء السنة عن المشاركة السياسية، وعن تلك الانتخابات انبثقت الجمعية الوطنية العراقية، ثم بعدها الحكومة الانتقالية في الثامن والعشرين من أبريل بأغلبية شيعية كردية، ومن هذه الأغلبية الشيعية الكردية تمخضت لجنة صياغة الدستور لتكتبه بمداد شيعي أمريكي كردي تناغمت فيه مصالح الأطراف الثلاثة على حساب سنة العراق.