فهرس الكتاب

الصفحة 7773 من 27364

ويجمع السياسيون وخبراء القانون الدولي على أن الطريقة التي تم بها اختيار لجنة الصياغة ليست من القوانين والأعراف الدولية في شيء؛ فهي تُعدّ طريقة غير مشروعة وغير شرعية بكل المقاييس؛ إذ لا بد من وجود"مجلس تأسيسي منتخب"يمثل العرقيات والطوائف لأجل مهمة واحدة هي صياغة الدستور، ولا يجوز قانونياً أن يكون معيناً من السلطة، كما وقع للجنة صياغة الدستور العراقي، وهذه هي الطريقة التي صاغت بها أمريكا ذات النظام الفدرالي دستورها، وكذلك اليابان وإيطاليا وغيرها، وهكذا هو مسطر في القوانين الدولية ومبادئ علم السياسة؛ لأن الدستور يعكس في النهاية أهداف من وضعه.

وبالرغم من سماح الاحتلال وأذنابه لسنة العراق بالمشاركة في لجنة الصياغة بطريقة شكلية فقد تم تجاهل كل مطالبهم، بل وقُتل منهم اثنان من الأعضاء القانونيين في اللجنة وهما: د.ضامن حسين العبيدي ود. مجبل الشيخ عيسى. مما دفع بسنة العراق إلى تعليق المشاركة حتى يُفتح تحقيق دولي في قضية الاغتيال، وأنى له أن يُفتح !!

لقد كانت رحى الاحتلال السياسية ماضية في تفتيت السنة وتهميشهم من المشاركة، فيما كانت رحاه العسكرية تطحن بكل ترساناتها في شوارع ومدن السنة بلا حسيب أو رقيب، وكانت النتيجة أنْ صيغ الدستور على ما أراده الاحتلال، ومن معه ليتم الإعلان عن بداية الفصل الثاني من مسرحية التمرير في عملية الاستفتاء.

محلياً -في العراق- تم الرفض الكامل للدستور بعد صياغته من طرف سنة العراق بكل أطيافهم السياسية، اللهم ما عدا الانتكاسة التاريخية التي صرح بمقتضاها الحزب العراقي الإسلامي تأييده للدستور مجازفاً بحقوق إخوانه السنة.

وإقليمياً نعتت كل من السعودية وسوريا وتركيا الدستور العراقي بالممهد للتقسيم، والمؤجج للحروب الأهلية، وأوروبياً صرح الاتحاد الأوروبي بأن الدستور العراقي ليس نموذجياً، أما أمريكياً فقد أجمعت مراكز البحوث الأمريكية على أن الدستور العراقي غير قابل مطلقاً لأي تطبيق عملي، وأن صياغته تمّت تحت ضغوط أمريكية، وأنه يفرق المجموعات العرقية في البلد، حتى وصف (جيمس كوجان) الدستور العراقي في مقالة نشرها مركز البحوث العالمية بأنه:"وصفة لحكم استعماري", وبأنه من بدايته إلى نهايته يرسّخ الأطماع الأمريكية الاستعمارية في الشرق الأوسط، وأن هذا الدستور تم باتفاق مع الأكراد و الشيعة لاسيما"حزب الدعوة الإسلامي والمجلس الأعلى للثورة"بهدف إيجاد دولة عميلة لأمريكا. وأما صحيفة (نيويورك تايمز) فوصفت الدستور الحالي بأنه"لا يشجع على فرص عراق موحد ومسالم"أي أنه يشجع على التقسيم. ووصفت صحيفة (بوسطن غلوب) العملية الدستورية بأنها:"جاءت مخيبة للأمل وعملت على تفرقة البلد". ويُجمع خبراء القانون على أن لا شرعية للدستور الذي جرى"تمريره"لأنه:

أولاً: مرجعية لجنة صياغته نفسها غير شرعية؛ لأنها من وضع الاحتلال، وهو من وضع قانون الإدارة المؤقت، ومنه انبثقت لجنة الصياغة، وينص قانون جنيف لعام 1949م على أنه"لا يحق للاحتلال أن يتعرض للدستور"وها هو قد تعرض!!

ثانياً: إن لجنة صياغة الدستور لم يتم انتخابها على أساس الطوائف الممثلة للعراق.

ثالثاً: ثبوت تدخل الاحتلال في كل مراحل الصياغة بشكل مباشر، لعب فيه دور الوصي الآمر، والمحدد لزمن الصياغة ومكانها وأعضائها وشكلها النهائي، دون مراعاة للمتطلبات القانونية في ذلك.

رابعاً: القانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة ينصان على أن لا شرعية لأي انتخابات تحت الاحتلال؛ لعدم وجود الإرادة والسيادة وحق تقرير المصير المغيّبة في إطاره.

وبالرغم من عدم شرعية الدستور وعدم مشروعية عملية الاستفتاء برمتها في إطار الاحتلال بإجماع أهل القانون. وبالرغم من كل محاولات التضييق و"الإرهاب"الذي مورس على أهل السنة لتمريره فإن عملية الاستفتاء كشفت عن فصل آخر من فصول المسرحية التي لعب أدوارها الاحتلال وأتباعه من الشيعة والأكراد، فماذا جرى في أثناء الاستفتاء؟

الفصل الثاني: وفيه تم التلاعب بالنتائج فقد استفاد الاحتلال من تجربة

الانتخابات في أسلوب تجاوز المعارضة السنية وكل معارضة إقليمية أو دولية، ولم يعد يشعر بالحرج السياسي والقانوني في تمرير أي أجندة سياسية تخدم مشروعه هذا.. وهذا ما جعله أكثر جرأة في عملية تمرير الدستور وأكثر تحدياً لكل القوانين والمواثيق الدولية بدءاً من ديباجة صياغة الدستور ومروراً بتحديد مدتها الأقصر في التاريخ، وانتهاء بتزوير نتائج الاستفتاء.

لنتذكر جميعاً أن أول إعلان حاسم عن وفاة ياسر عرفات كان على لسان البيت الأبيض؛ فقد كان أول من أعلن عن وفاته، وهو لا يزال راقداً في فرنسا؛ إذ خرج بوش يترحم عليه قائلاً:"ليرحمه الله"، في وقت كان الأطباء الفرنسيون والعالم يجهلون نبأ موته وسط تضارب قاتم للأنباء!!

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت