فهرس الكتاب

الصفحة 7771 من 27364

في البدء نود أن نعطي للقارئ الكريم صورة عامة سردية عما أُطلق عليه (عملية"إقرار"أو تمرير الدستور) . فحينما نتحدث عن الدستور العراقي فنحن نقصد بالتحديد الحديث عن مضامينه ذات البعد السياسي ..فالدستور في حد ذاته يمثل المرجعية القانونية العليا للدولة، وبالتالي فإنه الأساس لكل سياساتها الداخلية والخارجية، وإذا نظرنا إلى مضامين الدستور العراقي الجديد فإننا نجده بالإضافة إلى افتقاره للمشروعية الدينية: أرضية قانونية صالحة لتحويل العراق إلى فدراليات متعددة بمجرد إقراره !وبمعنى مبسط فإن الدستور العراقي يجوز ويسمح قانونياً بإمكانية تقسيم العراق إلى دويلات مستقلة باسم شيء يسمونه"الفدرالية"وهي -وإن تكن إطاراً سياسياً يجمع الشعب الواحد ذا الطوائف المتفرقة- إلا أنها في حالة العراق إطار سياسي يفرق الشعب الواحد ذا الطوائف المجتمعة. ولذلك يعدها المراقبون أول فدرالية معكوسة في التاريخ. هذا التقسيم هو الإستراتيجية الأولى في مخطط الاحتلال حتى قبل غزو العراق, ولأجل تحقيق هذه الإستراتيجية كان لا بد من رسم أهداف مرحلية دقيقة ترسم الخريطة القانونية التي يمكن أن ترشد الاحتلال إلى الوصول إلى إستراتيجية التقسيم في النهاية؛ لأجل ذلك كان لا بد من تحقيق الهدف الأول، و هو إيجاد أرضية قانونية للتقسيم مهما كلف الثمن، وتلك الأرضية لن تكون إلا بالدستور العراقي الذي يضمن للطوائف والإثنيات حق الاستقلال والانفصال، وفي الوقت نفسه يضمن للاحتلال هدفه الإستراتيجي الأول في المنطقة، وهو التقسيم، وبضمانه يستطيع ضمان باقي الأهداف الإستراتيجية الأخرى في المنطقة.

لكن"عملية تمرير الدستور"وحدها تحتاج من الاحتلال إلى إجراءات عديدة سياسياً وعسكرياً؛ فليس من السهل تمرير دستور يسمح بتقسيم بلد (قسمة ضيزى) دونما تجاوز كل أشكال المعارضة داخلياً على مستوى الأطياف السياسية الشيعية العربية والسنية والكردية سواء منها ذات الأجندة السياسية أو الخيار العسكري، وأيضاً على المستوى الإقليمي المتمثل في دول الجوار، لاسيما الدول الفاعلة فيه كالسعودية وإيران وتركيا وسوريا، وعلى المستوى الدولي المتمثل في الأمم المتحدة والمنظمات القانونية الدولية والرأي العام العالمي.

لكن الحقيقة أن الاحتلال لم ينظر قط إلى عملية كتلك نظرة قاصرة بل جنّد لها جندها، وسعى لها سعيها على كل صعيد، وهيّأ لها ظروفها وحسب لها حساباتها، وغامر بالبقية الباقية من مصداقيته المهزوزة على الصعيد السياسي والقانوني والإنساني ليحققها بأي ثمن. فكانت إستراتيجية التقسيم هي المحور الذي يدور عليه الدستور، ومن أجل ذلك كان المسار السياسي لأمريكا منذ سقوط بغداد عبارة عن"تكتيكات"دارت في فلكها أجندة الأحزاب، والمكونات السياسية في العراق منذ دخول الاحتلال وإلى يومنا هذا.

وهنا نتساءل: ما هي التكتيكات التي انتهجتها أمريكا لتمرير الدستور؟ صحيح أن ولادة الدستور العراقي من الأب غير الشرعي (قانون الإدارة المؤقت) كانت في العراق، لكن أطوار نشأته فيما قبل الولادة كانت استثنائية بكل ما يعنيه مصطلح الاستثناء من معنى!! وكما سبق أن أشرنا فإن الحديث عن الدستور العراقي بشكله الحالي هو في العمق حديث عن التقسيم ليس إلا! في اعتقادي أن الدستور العراقي هو نفسه نص مشروع التقسيم، ولذلك فإن الحديث عن هذا هو حديث عن ذاك، ومن هذا المنطلق فإن نشأة الدستور العراقي مرّت بأطوار يمكن تسميتها بالأطوار الثلاثة:

الطور الأول: طور الفكرة، وقد تم في أروقة تل أبيب. نعم في تل أبيب، وهي المرحلة التي نشأت فيها الرغبة في تقسيم العراق بالصورة نفسها التي يصفها الدستور العراقي الآن، وهي التي عبّر عنها (عوديد ينون) في مقال كتبه حينما كان مستشاراً لرئيس الوزراء الأسبق مناحيم بيغن تحت عنوان:"إستراتيجية إسرائيل في الثمانينيات"، وصرّح فيها أن العراق هو العدو الأكبر لإسرائيل لذا يجب تقسيمه إلى ثلاث دول، دولة كردية في شمال العراق، وأخرى شيعية في الجنوب، وثالثة سنية في الوسط !""

ومن هنا فإن فكرة الدستور الذي يؤدي إلى التقسيم كانت جزءاً من مخططات اليهود، وهذا ليس بمستغرب على أمة وصفها الله بموقدي الفتن: (...كُلَّمَا أَوْقَدُوا نَاراً لِلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللَّهُ...) [المائدة: من الآية64] . فمصلحة إسرائيل في تقسيم العراق محققة على الصعيد السياسي والعسكري والاقتصادي.

الطور الثاني: طُوّر الإعلان عن فكرة التقسيم في مراكز التخطيط والقرار الأمريكي؛ فقد تمت إعادة صياغة فكرة (عوديد ينون) على لسان رئيس مجلس العلاقات الخارجية الأمريكي (ليزلي غيلبLeslie elb's ) فقد نشرت صحيفة (نيويورك تايمز) الأمريكية في 25/11/2003 مقالاً تحدّث فيه عن حل الثلاث دول، واقترح فيه تقسيم العراق إلى ثلاث دويلات هي:الشيعة في الجنوب، والأكراد في الشمال، والسنة في الوسط.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت