فهرس الكتاب

الصفحة 7770 من 27364

لكن وضع العمليات العسكرية والتسهيلات اللوجيستية والسياسية للميلشيات والتكتلات الشيعية تؤكد ضلوع أمريكا في مسلسل تهميش وتغييب أهل السنة من الوجود السياسي في العراق لصالح التمكين للطائفة الشيعية، ما دامت تخدم الإستراتيجية الأمريكية في العراق والمنطقة عموماً. ومما يبعث على العجب إصرار من يغرد خارج السرب على قناته المسيّسة في برنامج"لقاء خاص"، حيث يرى أن لا دليل حتى الآن يثبت تدخل إيران في شؤون العراق، وأن قيام دولة شيعية في العراق لا يمثل أي مشكلة، وهذا التصريح بقدر ما يعبر عن قصوره السياسي في إدراك أكثر الحقائق السياسية على أرض العراق وضوحاً يعبر أيضاً عن قصوره في تصور مخاطر الامتداد الفكري والسياسي لإيران في المنطقة، اللهم إلا إذا كان يملك من الضمانات الأمريكية والإيرانية ما يجعله بمنأى عن ذلك، فحينئذ يمكن الحكم على هذا القصور بالبراءة التامة لكن التهمة بالتخذيل على وزن (التطبيع) لن تزول.

ويبقى السؤال مطروحاً: إذا لم يكن مسلسل التطهير لأهل السنة له علاقة بالحرب على الإرهاب في العراق، فإلى أي شيء يهدف ؟

مهما تكن المسوّغات التي يسوقها الاحتلال وأذنابه الذين يسوّقون بقاءه فإن جرائمه المتواصلة ضد سنة العراق أضحت من الوضوح في النهاية! فالهدف الأول والأخير من التنكيل المتعمد الذي لقيه أهل السنة هناك بشهادة واستنكار الساسة العراقيين أنفسهم: هو تهميش الطائفة السنية من المسرح السياسي الحالي، وتحجيم دورها إلى حد يضمن معه الاحتلال وأعوانه تحقيق الإستراتيجية الاستعمارية الرامية إلى تقسيم البلد، وتجريد السنة من كل مقومات القوة سياسياً واقتصادياً وعسكرياً في إطار إستراتيجية أمريكية تهدف إلى إحداث توازنات جديدة في المنطقة تمهيداً لنشأة الشرق الأوسط الكبير.

فالسيناريو الذي مرت به عملية الاستفتاء على الدستور كان فصلاً آخر من فصول محنة أهل السنة في العراق؛ فقد تمت إبادتهم سياسياً بعدما استنزفت الآلة العسكرية ومعها بعض الميلشيات الشيعية مدنهم وبيوتهم بكل أنواع التنكيل.

كانت ولادة الدستور العراقي عبارة عن فصول متتالية متكاملة أتت في إطار مؤامرة تاريخية محبوكة كان المستهدف في كل فصولها بالتحديد هو"سنة العراق". فالمراحل التي مرت بها عملية فرض الدستور أو بلغة سياسية أدقّ"تمريره"بالرغم من كل تعقيداتها وتداعياتها وتسارع أحداثها تظل خريطتها واضحة للمحللين، وتشير إلى أهداف وإستراتيجيات وتكتيكات وأدوات محددة، تظهر في صلب الخريطة وكل مساحتها .ومهما تكن التسمية التي انتقاها الاحتلال لفرض الدستور، فإن مصطلح الإقرار الذي تم توظيفه لا يعكس بأي حال الرفض المطلق الذي لقيه الدستور من طرف سنة العراق جميعهم .فالإقرار يعني موافقة السنة أو سكوتهم عليه، وهو ما لم يحصل مطلقاً أثناء عمليتي الصياغة والاستفتاء.

فقد تم"تمرير الدستور"في إطار"مسرحية"تستحق التأريخ! لعب فيها كل من الاحتلال ومؤازروه دور علاقة تجسد فيها عنصر التضحية والولاء والمغامرة والتفاني والتحدي والارتباط وتجاوز كل القوانين والأعراف والقيم.

تمت هذه العلاقة التاريخية بين الاحتلال ومعاونيه في الداخل، ولا أحد يدري حتى الآن: أهي علاقة (متعة) تمت باتفاق بين الطرفين على أساس جدول زمني لإنهائها (أم رغبة في زواج بنية الطلاق من طرف الاحتلال) !! لكن ما لا يشك فيه كل المراقبين أن مصلحة الطرفين (أو الأطراف) هي محور التلاقي في هذه العلاقة، وأنها علاقة لا تحمل في طياتها حتى الحد الأدنى من مقومات البقاء لأمد طويل .

وها نحن نرى بعد مخاض سياسي وعسكري مرير - لم ينته بعد- ولادة دستور عراقي تاريخي من علاقة محرمة مفضوحة!

فكيف تم تمرير"الدستور العراقي"سياسياً وعسكرياً وإعلامياً؟ ومن هم ممثلو الأدوار الرئيسة في مسرحيته؟ وما الأهداف السياسية والإستراتيجية للاحتلال من هذا الدستور؟ وهل لهذا الدستور أي سقف حد أدنى من الشرعية والمشروعية في أي قانون دولي؟

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت