هذا الواقع العسكري العربي الصعب بفعل الافتقار لمصادر التسليح، وعدم إطلاق مشروع بناء القوة الذاتية العربية بالشكل الكافي، لا يخلو من إيجابيات، ومن مقومات تؤهل قدرات الأمة العسكرية للانطلاق، وأترك للواء طلعت مسلم أمر عرض هذا الواقع بحكم اختصاصه وخبرته، فهو يقول:
"تودع الأمة العربية نهاية القرن العشرين وتستقبل مطلع القرن التالي وهي في أوضاع دفاعية تتّسم بسمات سلبية كثيرة أهمها تجميد معاهدة الدفاع المشترك، وعدم وجود بديل منها، وبالإضافة إلى ما سبق نجد اندلاع حروب أهلية في أكثر من مكان داخل الوطن، وحظراً تسليحياً عاماً وخاصاً يحصر الأسلحة العربية في حدود معينة لا تقابلها حدود مماثلة لمصادر التهديد المحتملة، وأوضاعاً اقتصادية وتخلفاً علمياً وتعليمياً وصناعياً وتقنياً لا يخدم الأمن الدفاعي العربي."
وبالتالي فإن ميزان القوة العسكرية والقدرة الدفاعية في المنطقة يشير إلى تفوق العناصر غير العربية على القوة العربية، ويجعل الوطن مكشوفاً للتهديدات الخارجية، ورغم قتامة الصورة فإن الأوضاع الدفاعية العربية لا تخلو من بعض النقاط المضيئة التي نتجت من ثمار فترة سعت فيها الأمة وواكبتها الحكومات إلى بناء قوة دفاعية فاعلة فاكتسبت الخبرات في ميادين القتال، وتمرّست في استخدام كثير من معدات القتال والأسلحة الحديثة، واكتسبت الكوادر العلمية والصناعية بعض الخبرات الإدارية والفنيّة الهامة التي تمكّنها من إدارة العملية الإنتاجية على مستوى راقٍ" [6] ."
إن الأمة العربية بكل دولها تملك مع الخبرات والإمكانات التي تمت الإشارة إليها سابقاً حصناً حضارياً هاماً مكّنها من الصمود، ومن ثمّ المواجهة، فالتحرير والتغيير في مراحل تاريخية سابقة، ومن الأمثلة على ذلك أن الفرنجة الذين غزوا الأمة انطلاقاً من أوروبا مع نهايات القرن الحادي عشر الميلادي تمكنوا من تأسيس دولة في منطقة قيام دولة إسرائيل اليوم أطلقوا عليها اسم: الدولة اللاتينية، وجعلوا عاصمتها القدس، وعندما أسقطت الأمة تلك الدولة عاد من أسسوها إلى حيث أتوا، والأمر نفسه سيحصل لا ريب في وقت ما وسيعود يهود إلى بلدانهم الأصلية.
والأمة تمتلك لمواجهة خطر إسرائيل والاستعمار من خلال الشرق أوسطية الطاقة البشرية، تلك الطاقة التي صنعت انتفاضة الأرض المحتلة التي لا تزال، وهي نفسها قاومت التطبيع في مصر، وتقاومه اليوم في الأردن، وقاومته وتقاومه مدنياً وعسكرياً في كل أرض عربية محتلة في لبنان وسوريا وفلسطين.
هذه الطاقات البشرية مضافة إلى الحصن الحضاري هي عماد الأمة في مواجهة مشروع الشرق الأوسط الذي تتلخص فيه مشاريع التوسع الاسرائيلية، والأطماع الاستعمارية الأمريكية، ولقد أحسن صنعاً الشاعر طارق ناصر الدين حيث قال:
"كل شهيد يتقدس دمه"
ينبت سوسنةً، تنطق:
لا للتطبيع مع القاتل
يا هذا الشعب كلام الله إليك
هو الردُّ الفاصل
أبطالك عاصفة وزلازل
ورموزك رايات ومشاعل
هل يوجد أعظم من شعب
هل يوجد أعظم من شعبٍ
يتحول فيه البشر قنابل؟" [7] ؟"
إن مشروع الشرق أوسطية اجتياح من نوع جديد ليس أمام قادة العدو سواه، وهو بالمحصلة مخطط إسرائيلي توسعي ليس إلاّ.
يتحدث الأستاذ كمال شاتيلا عن هذا المخطط ومخاطره على العرب قائلاً:"إن زعماء إسرائيل يروجون لسوق الشرق الأوسط من الناحية الاقتصادية للتأثير على أصحاب رؤوس الأموال - والفقراء أيضاً - ولإغرائهم وإقناعهم بجدوى مشروع السلم الإسرائيلي، وفائدته للعرب واليهود على السواء."
فالإغراءات تبدأ اقتصادية، ثم تتحول بعد التطبيع - كما يخططون - لتصبح اختراقاً لوحدة المجتمع العربي، واختراقاً لكل التركيبات الاجتماعية في كل الساحة العربية، وعلينا أن ننتبه إلى حقيقة قائمة وهي أنه ليس في طاقة إسرائيل أن تتوسع في المدى المتوسط، وهي ليست قادرة على إقامة مشروع: أرضك يا إسرائيل من الفرات إلى النيل، في المدى المنظور، فهي عجزت عن استيعاب الأراضي المحتلة عام 1967، واستحال عليها هضمها، ولذلك فإن مخططاتها تتمحور حول السيطرة على المنطقة حربياً واقتصادياً وتقسيمياً بإشعال الحرب الأهلية داخل كل قطر عربي على أساس مذهبي وطائفي وعرقي لتدور كل الكانتونات الانفصالية في فكلها بعد ذلك" [8] ."
إن مشروع الشرق الأوسط لا يرد خطره على الأمة العربية إلاّ بمواجهة تتبع مرحلتي الممانعة والإعداد، وكل ذلك لن يقوم بغير المنهج الوحدوي إن كان في إطار الوحدة الوطنية لكل قطر عربي، أو الوحدة القومية في إطار تطوير ميثاق جامعة الدول العربية ليلبي الأغراض المطلوبة.
إن النظام العربي في واقعه الراهن قطرياً وقومياً لم يعد بإمكانه أن يشكل سدّاً دفاعياً في وجه التحديات على الأمة لذلك لا بد من تطويره في إطار جامعة الدول العربية وتطوير ميثاقها وهيكلياتها ومؤسساتها.