فهرس الكتاب

الصفحة 7599 من 27364

غازي التوبة *

24/08/1427هـ

الحياة/ شمعون بيريز وزير خارجية إسرائيل السابق أول من تحدث عن «الشرق الأوسط الجديد» في عام 1993 بعد توقيع اتفاقية أوسلو في حدائق البيت الأبيض بين اسحق رابين وياسر عرفات، وكان تصور بيريز قائماً على أن وحدة اقتصادية ستتحقق بين المنطقة العربية وإسرائيل، وستجمع هذه الوحدة الاقتصادية بين العبقرية الصهيونية في القيادة، والأيدي العربية الرخيصة المستخدمة في التصنيع، والثروة العربية المتكدسة من بيع البترول...الخ، وكان التفاؤل سيد الموقف آنذاك، والسبب في ذلك هو الاعتقاد بأن اللقاء الفلسطيني - الإسرائيلي كسر آخر الحواجز في الممانعة بين العرب وإسرائيل، ولم يبق إلا التداخل والتواصل والتلاحم...الخ، ولكن شيئاً من ذلك لم يتحقق، وتعثر اتفاق أوسلو الذي كان الشرارة في كل تلك الأحلام، والسبب في ذلك أن إسرائيل تريد أن يكون لها كل شيء، ولا تريد أن تعطي شيئاً للآخرين، وكانت نهاية الحلم كابوساً مزعجاً، فصانعا الحلم نُحرا: إسحاق رابين وياسر عرفات، الأول نحره أهله، والثاني نحره حلفاؤه.

ثم صار الحديث عن «مشروع الشرق الأوسط الكبير» ، وطرح بوش هذا المشروع بعد احتلال العراق، ونوقشت بنود المشروع في اجتماع الدول الثماني الصناعية الكبرى في تموز (يوليو) 2004 في جزيرة ايلاند، وأبرز ما جاء في المشروع آنذاك هو الدعوة إلى الديمقراطية، والتغيير الثقافي، وحقوق الإنسان، والتأكيد على حقوق المرأة، وانتهاء الأمية... الخ، ووضعت برامج تفصيلية تحقق تلك الأهداف، كما رصدت موازنات مالية من أجل الإنفاق على تلك البرامج بين الدول الثماني، لكن شيئاً من ذلك لم يتحقق، بل تحققت الفوضى التي سموها «الفوضى الخلاقة» ، وتجلت هذه الفوضى في أبهى صورة في العراق، فالدمار يعم كل شيء: البناء والطرق والجسور، والكل يقتل الكل: السنة والشيعة والأكراد والصابئة... الخ، والجميع يتآمر على تقسيم العراق، ولم تتحقق ديمقراطية ولا حقوق إنسان، ولا ارتقاء ثقافي ولا محو أمية.

ثم طلعت كوندوليزا رايس علينا بمقولة «الشرق الأوسط الجديد» أثناء التدمير غير المسبوق للبنان، ورافق مقولتها مقال للضابط الأميركي السابق رالف بيترز نشر في عدد تموز (يوليو) من مجلة القوات الأميركية تحت عنوان «حدود الدم» وهو جزء من كتاب «لا تترك القتال أبداً» يرسم ملامح الشرق الأوسط الجديد الذي أشارت إليه كوندوليزا رايس، وجاء في ذلك المقال أن السبب في اضطراب الشرق الأوسط هو عدم تطابق الحدود الجغرافية مع الحدود الإثنية والطائفية والعرقية في المنطقة، والسبب في ذلك أن أوروبا التي قسمت الشرق الأوسط بعد الحرب العالمية الأولى لم تراع ذلك، بل راعت أهواءها وبعض المصالح الخاصة، وأشار المقال أيضاً إلى ضرورة تصحيح الجوانب الحدودية من أجل التوصل إلى شرق أوسط مستقر، واقترح المقال صورة جديدة للشرق الأوسط تقوم على تفصيلات متعددة منها إقامة ثلاث دول في العراق: كردية في الشمال، وسنية في الوسط، وشيعية في الجنوب، واقترح أن تلتحق الدولة السنية المقتطعة من العراق في وقت تال بسورية، كما استهدف المشروع تغييراً في حدود كل دول الشرق الأوسط كسورية وإيران، ومصر وباكستان، ولبنان...الخ.

والسؤال الذي يمكن أن نطرحه هو: ما الهدف النهائي من هذه المشاريع المطروحة بين وقت وآخر بدءاً من «مشروع الشرق الأوسط الكبير» وانتهاء بـ «مشروع الشرق الأوسط الجديد» ، وما الملامح التي تجمع بينها؟

أولاً: تلتقي هذه المشاريع على أهداف دعائية كبيرة مثل تحقيق الأمن والسلامة، والتنمية والديمقراطية، وحقوق الإنسان وإزالة الأمية، وإقامة العدل...الخ، لكن هذه الأهداف تبقى في حدود الدعاية، ولا يتحقق شيء منها على أرض الواقع، وينطبق عليها المثال الذي راج عن الشيوعية إبان انتشارها «اقرأ عن الشيوعية تفرح، جرّب تحزن» .

ثانياً: تحرك هذه المشاريع النزعة الطائفية والتفتيت الطائفي، وتستهدف وحدة الأمة العربية والإسلامية بحجة الظلم الذي لحق بهذه الطوائف والأعراق خلال التاريخ الماضي، وهذا الاستهداف للإحياء الطائفي يخدم إسرائيل بالدرجة الأولى، ويمكن أن نتأكد من ذلك باستعراض السياسة الأميركية في مناطق أخرى مثل أميركا اللاتينية وشرق آسيا، فهي لا تمارس هذا الدور من التفتيت الطائفي مع أن تعدد الطوائف والأعراق والأجناس موجود في تلك المناطق، وبصورة أكبر مما هو موجود في المنطقة العربية.

ثالثاً: مما زاد في الحرص على تنفيذ مخططات التفتيت الطائفي في المنطقة وجود المحافظين الجدد في قيادة أميركا، ومن الواضح أنهم صهاينة مثل صهاينة إسرائيل إن لم يكونوا أكثر صهيونية، إذ يشاركون الإسرائيليين آلامهم وآمالهم وأحلامهم، ويلتقون مع صهاينة إسرائيل في بعض الرؤى الدينية التي يستقونها من المسيحية والصهيونية التي تستمد مادتها من التوراة التي هي جزء من الكتاب المقدس عند المذهب البروتستانتي الذي يعتنقه المحافظون الجدد.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت