فهرس الكتاب

الصفحة 6537 من 27364

وفي هذا السياق العام بالضبط تأتي حركة (الفمنزم) النسوية العلمانية كدين جديد، لكنه دين أخطر من الأديان الوضعية السابقة؛ فإذا كانت الماركسية مثلاً قد حاولت إحداث صراع بين قلة وكثرة وعلى أرضية اقتصادية بحتة، فإن (الفمنزم) تحدث انشقاقاً في وسط المجتمع، وعلى أسس شاملة تمس أدق جوانب حياة الإنسان؛ لتعيد صياغتها وفق النهج العلماني الراسخ في الغرب.

ولكن: ما المبادئ العامة التي تطرحها الحركة النسوية العلمانية وتجعلها محل الدين، والتي تتستر وراء كل هذه المظاهرات الصاخبة من مؤتمرات، وضجيج إعلامي، وسياسات تنفذ بالقوة ـ وبخاصة في المجتمعات المسلمة ـ؟.

إنها ليست مجرد المطالبة بحقوق للمرأة أيّاً كانت، وأيّاً بلغت درجتها من المعقولية، أو الشطط، بل هي الدعوة إلى تغيير شامل وجذري، وقلب لكل المفاهيم ـ بدون استثناء ـ التي ظلت البشرية تنظر بها إلى المرأة، وبخاصة المفاهيم الدينية، فبالاستناد إلى شذرات مقتطفة من الماركسية والليبرالية وعلوم الأنثروبولوجيا، تعمد (الفمنزم) إلى تصوير التاريخ البشري وكأنه دراما كبرى قام فيها الرجال ـ ومنذ عهد مبكر ـ بقلب الأوضاع التي كانت المرأة فيها صاحبة السيادة والطّوْل (المجتمع(النسوي ) ) ، ليقيموا محلها المجتمع (الرجالي) الذي تبشر (الفمنزم) بسقوطه، لكن المستهدف ليس مجرد عكس للأوضاع بشكل مبسط ليعود للنساء الحكم والسيطرة، ويرجع الرجال إلى عهد العبودية القديمة المزعوم.

إن المطلوب عبر سلسلة طويلة من الخطط والإجراءات: هو إلغاء الجنس ذاته، أي: جنس الرجال والنساء معاً، بكل ما ينطوي عليه من مفاهيم و (أدوار) ثابتة تكرسها الأديان المنزلة، وإحلال الجنس بمفهوم (النوع) ، الذي يعني: أن يكون المخلوق البشري مادة خاماً محايدة تخلو من الملامح والقسمات التي درجت البشرية على التمييز من خلالها بين النساء والرجال كجنسين مختلفين لكل منهما أوضاع وأدوار محددة، يقوم بها داخل المجتمع والأسرة، وتدور حول تحليل مفاهيم (العلمانية) .

ولا يوجد مانع داخل إطار هذا المفهوم الجديد، أن يقوم أفراد هذا النوع المحايد العام ـ ولفترات محدودة فقط ـ بانتحال بعض الأدوار التي كانت في (الماضي الغابر) تنسب للرجال أو النساء، شريطة أن يقوم الرجال بأداء أدوار النساء التقليدية والعكس، ومن المهم هنا أن نذكر أن هذا المفهوم الذي تروج له (الفمنزم) يمثل في الوقت نفسه الأساس (الفكري) لحركات الشذوذ الجنسي التي أصبحت في السنوات الأخيرة ذات نفوذ واسع في دوائر الثقافة والإعلام والمجتمع ـ بل والسياسة ـ في الدول الغربية، والتي لن تصبح (شاذة) بعد تطبيق مفهوم (النوع المحايد) ، بل ستصبح هي أكثر الأوضاع طبيعية واعتيادية.

هذا هو الهدف العام وراء غابة النشاطات والمؤتمرات التي تخلقها الحركة النسوية العلمانية من خلال مؤسساتها الدولية والمحلية، إنه الغاية الكبرى وراء كل الشعارات التي يجري عليها الإلحاح بشكل محموم حول (تمكين المرأة) ، وإكسابها النفوذ الاقتصادي والسياسي، و (إلغاء التقاليد) المعوقة لتقدمها، ونشر (التعليم) الجنسي، وإدماج كل أشكال الانحراف (من الزنا إلى الشذوذ) لتصبح أوضاعاً طبيعية.

نحن ـ إذن ـ أمام حركة تسعى إلى إلغاء جنس المرأة نفسه، وكل ذلك تحت شعار الدفاع عن المرأة وضمان تقدمها، لكنه التقدم الذي يؤدي إلى إلغاء الجنس ذاته مع جنس الرجال، ولكن، إذا كان الأمر كذلك، فلماذا أصبحت هذه الحركة عالمية الطابع؟ ولماذا أصبح لمؤتمر بكين كل هؤلاء المدافعين والأنصار في عالمنا الإسلامي؟!

الإجابة على السؤال الأول هي: إن هذه الحركة تسد فراغاً عقديّاً في مجتمع وصل به الخواء حد اعتبار الحملة ضد التدخين بمثابة أهم الأعمال الأخلاقية، كما أنها حركة تضمن لذلك المجتمع (الغربي) إسقاط ذاته وبسطها على المجتمعات التابعة (الإسلامية والنامية) .

أما الإجابة على السؤال الثاني فهي في نوعية الجهات التي تحتضن هذه الحركة في عالمنا العربي الإسلامي، إنها النخب العلمانية ذات الهيمنة على مجريات شؤون مجتمعاتنا، وهي، وإن كانت محدودة العدد، إلا أن سيطرتها على مفاتيح مؤسسات الإعلام والتعليم والثقافة ـ بل والسياسة ـ تعطي لها نفوذاً يفوق حجمها بكثير.

ونعود إلى مؤتمر بكين، وهو كما قلنا التتويج العملي لحركة (الفمنزم) ، أو كما صرح عضو مجلس الشيوخ الأمريكي البارز السناتور (هيلمز) في 27 يوليو الماضي من أن المؤتمر: تديره وتحدد أفكاره جماعة محدودة من النساء اليساريات (وهذا اللفظ من الاصطلاح الأمريكي يتضمن معاني العلمانية الملحدة) اللواتي يعملن لهدم قيم الأسرة وسائر التعاليم الأخلاقية.

لقد اتخذ مسار تبرير توصيات ووثائق وبرامج هذا المؤتمر في العالم الإسلامي خطين أساسيين:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت