وهذه النقطة لا يدركها معظم ـ إن لم يكن كل ـ من يتعرضون بالتحليل لظاهرة مؤتمرات الأمم المتحدة، وما يحيط بها من خضم للنشاطات التي تدور حول المرأة، إذ ما زال الكثيرون ـ سواء أكانوا مؤيدين أم معارضين ممن يتصدون بالكتابة لهذه الظاهرة ـ يضعونها في سياق حركة المطالبة بحقوق المرأة، أو يعتبرونها في سياق حركة تحرير المرأة، والحركة النسوية العلمانية ليست بهذه أو بتلك، فنحن أمام عقيدة شمولية تُطرح لكي تُفرض وتسود العالم كله، وتحل محل العقائد والأديان والمذاهب (وضعية أم غير وضعية) . ولهذا شبهنا مؤتمر المرأة باجتماعات الكنائس الكبرى؛ ليس فقط لشمولية الموضوعات التي يتعرض لها، وإنما أيضاً لذلك الجو من التبجيل الذي أحاط بهذا المؤتمر؛ مما جعله تدشيناً لدين جديد أُعد على مدى ربع قرن، وهذا التشبيه يدل على مفتاح أساسي من مفاتيح فهم وتحليل هذه الظاهرة، يعني: على تجاوز جوانبها السطحية والنفاذ إلى أعماقها.
إن جوهر (الفمنزم) يكمن في الظاهرة العامة التي عرفها تاريخ الفكر والممارسة الغربية على مدى القرنين الماضيين، ألا وهي: ظاهرة وضع أديان وعقائد بشرية وضعية لتجنب الدين الموحى به، وسواء اعتقدنا أن هناك مؤامرة يهودية ماسونية علمانية وراء هذه الظاهرة، أم لا، فإننا لا نملك إلا أن نرصدها، بدءاً من العوالم والمدن المثالية التي حفل بها تاريخ الفكر الأوروبي في القرن السادس عشر وما بعده، إلى عقيدة التنوير في القرن الثامن عشر، وعقيدة أو دين (عبادة العقل) في آخر هذا القرن، ودين (عبادة المرأة) الذي ألّفه العالِم (العلماني) (أوجست كومن) في أوائل القرن التاسع عشر. ثم هناك الأديان العلمانية المشهورة: كنظام (هيجل) الفلسفي، ثم نظريات (ماركس) التي أنجبت الشيوعية والاشتراكيات المختلفة ـ من مثالية إلى علمية ـ، وأخيراً: فلسفات الغرب الكبرى في القرنين التاسع عشر والعشرين؛ من الوضعية، إلى الليبرالية، إلى النزعة العلمية وفلسفة العلوم، والنفعية (البراجماتية) ، إلى الوجودية، والظواهرية.
والدين الوضعي العلماني هو مذهب فكري يدعي أنه يحل محل الأديان الغابرة في الغرب (كالنصرانية واليهودية) ، ويفسر كل جوانب الحياة بفعل مبادئ عامة يرسيها، كما يوجه بفعل نفس المبادئ إلى سبل الحياة السعيدة. وهذه العقائد العلمانية تشترك في رفض الوحي المنزل، بل ورفض وجود الإله ذاته، وتجعل من الإنسان ـ أو من المبادئ التي تبتدعها ـ وحياً منزلاً لا يناقش ولا يُرد، وهي تتوسل في دعاويها بادعاء أنها علمية الطابع والمنهج؛ نظراً للقداسة التي أصبح العلم التجريبي يحظى بها باعتباره مصدراً للحق واليقين بديلاً عن الأديان الساقطة. غير أن الأديان العلمانية ذاتها أخذت تتعرض للسقوط واحداً تلو الآخر؛ بفعل النقد الذي وجّه لها من داخلها أو من خارجها.
ومع ذلك السقوط المتتالي للأديان العلمانية، نشأت مشكلة في مجمل الوضع العلماني الذي أصبح محور وجود وفكر المجتمعات الغربية، ذلك لأن الأديان الوضعية أصبحت تؤدي وظائف مهمة على مدى القرنين الماضيين داخل هذا الوضع العلماني؛ فهى التي تزوده بالسند الفكري و (الروحي) ـ إن جاز التعبير ـ، وترسم رؤيته للحياة، وتحدد الأهداف والمثل التي توضع للمجتمعات لتحقيقها، كما أن هذه الأديان الوضعية هي التي تضمن للغرب إحساسه بالتفوق على الآخرين بحكم امتلاك (الحق) و (العلم) و (اليقين) ، فضلاً عن أنها هي التي ضمنت للغرب إضفاء غطاء فكري على حركة الاستعمار، ثم الاستعمار الجديد، ثم النظام الرأسمالي الدولي، وأخيراً النظام العالمي الجديد، وكلها موجهة ضد ما يسمى بالعالم الثالث، وهو في الحقيقة العالم الإسلامي، فالغرب وهو يحتل ويستغل وينهب موارد العالم الإسلامي: يفعل ذلك تحت شعار هذه المبادئ والعقائد العلمانية (النبيلة!) و (السامية!) ، والأهم من ذلك: أن الوضع العلماني المسيطر في الغرب أدرك أنه لضمان استمرارية النهب والسيطرة فلابد من إلغاء الدين، الذي يبعث في نفوس المحتلين الثورة والرفض، وإحلال المذاهب العلمانية نفسها محله كأديان جديدة، تضمن أن الأجيال الناشئة والطبقات الحاكمة في ذلك (العالم الثالث) ستكون تابعة للغرب؛ لأنها تشاركه أفكارها، بل وتعتبرها المنقذ الوحيد لها، وتفرضها على شعوبها بالحديد والنار.
لهذه الوظائف الحيوية التي تلعبها المذاهب العلمانية داخل الغرب وخارجه في ظل سيطرة الوضع العلماني: كان لابد ـ كهدف اجتماعي ـ حيوي من تجديدها كلما شاخت، أو اختراع بديل كلما سقط دين منها، وأصبحت هذه المهمة ملحة في الربع قرن الماضي بعد جلاء فشل الماركسية والليبرالية (وهي آخر الأديان الوضعية الكبرى) وسيادة أفكار الشك والريبة والنسبية المطلقة ورفض الثوابت، في فترةِ ما أصبح يعرف بعهد ما بعد الحداثة.