إن مشكلة هؤلاء العلمانيين أنهم يعتقدون أن النص ضد العقل، وهذه مشكلتهم وليست مشكلتنا نحن، فمن عظمة الإسلام أن صريح المعقول فيه يوافق صحيح المنقول من أدلة الشرع.
إن أتباع أي دين يؤمنون بصحة معتقداتهم ،والذي يعتنق فكرة أو مذهباً أو ديناً ولا يؤمن بصحته فهو منافق، وإذا سألنا أتباع أية ديانة أخرى فسوف نجد أنهم يؤمنون بصحة ما يعتقدون ويبطلون ما يعتقد الآخرون ، ولكن الإسلام يختلف عن الآخرين ، فالعقائد الأساسية في الإسلام بسيطة وتلتقي فيها أدلة العقل مع النصوص وهي ثلاثة: عبادة الإله الواحد، ثم الإيمان بجميع الرسل والأنبياء، ثم الإيمان بالجزاء والدار الآخرة ،ونحن في هذه الأمور نمتلك الحقيقة المطلقة ومن يشك في واحدة من هذه الأمور فهو كافر.
أما فيما يتعلق بالأحكام الفرعية التي ليست قطعية الثبوت ولا قطعية الدلالة وهي موضوع اجتهاد المجتهدين ، فالمسلمون لا يدعون فيها امتلاك الحقيقة المطلقة، وفيما عدا الأصول والمبادئ الكلية للشريعة ،فالأمور اجتهادية وقابلة للاختلاف .
أما بخصوص سلطة الاحتكام إلى النص فنحن مأمورون شرعاً بذلك قال تعالى [وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمراً أن تكون لهم الخيرة من أمرهم ومن يعص الله ورسوله فقد ضل ضلالاً مبينا] .
وعلى العلمانيين أن يكونوا أكثر وضوحاً وأكثر شجاعة وجرأة، ويقولون لنا هل هم مسلمون فعلاً ويؤمنون بالقرآن وبهذه النصوص التي لا تعجبهم أم لا؟ لأن هنا سوف يأخذ الكلام معهم وضعاً آخر، إن النص نفسه يأمرنا بتحكيم العقل واستشارته في غير الأصول والمبادئ الكلية القطعية، والمذاهب الإسلامية تعتمد على النظر العقلي إلى جانب الدليل الشرعي.
الأستاذ"منير شفيق"المفكر الإسلامي البارز، صاحب العديد من المؤلفات والكتب في الرد على العلمانيين وتفنيد الفكر الماركسي، أجاب حول الموضوع نفسه بقوله:"إن شروط أي حوار إسلامي علماني تتوقف على الطرف العلماني المحاور، وما هو منظوره لعلاقة الدولة والدين، والأهم ما هو موقفه من الإسلام والإسلاميين، فمثلاً إن كان من المدرسة العلمانية المتطرفة التي تعادي الدين وتعمل على إقصاء الإسلاميين، فلا حوار ممكن مع هذه الفئة".
أما إذا كان من العلمانيين الذين يقبلون في بلادنا أن يكون الإسلام دين دولة، وأن تقر القوانين وفقاً لاختيار الشعب لممثليه؛ بمعنى: القبول بفض الخلاف عبر صناديق الاقتراع أو بالحوار لتحقيق إجماع وطني، فإن شروط النجاح تصبح فاعلة وممكنة، لا سيما إذا كان الطرف الإسلامي يعترف بالتعددية، ويقبل الاحتكام عبر المجالس التشريعية من خلال صناديق الانتخاب أو بالحوار لتحقيق الإجماع الوطني، ويكون لديه الاستعداد، وهو شرط للعلماني، وأن يحترم ما يصدر من قوانين دون أن يعني الموافقة عليها أو الاقتناع بها، أي إبقاء حق معارضتها وتغييرها من خلال الأغلبية في مجلس الشورى والبرلمان أو الحوار الوطني والتوصل إلى عقد جديد.
إن الحوار الأهم والذي هو الأقرب للنجاح إنما هو الذي يتناول الاتفاق على القضايا والتحديات التي تواجه الأمة وتتعلق باستقلالها وتضامنها ومواجهتها للعدوان الخارجي والمشروع الصهيوني، وهنا يمكن تشكيل الجبهات بلا حاجز لحل الخلافات المتعلقة بالعقيدة والمرجعية دون تنازل مبدئي، أي حصر الاتفاق بقضايا السياسة والاقتصاد والمصالح العملية للبلاد والأمة، وهي مرحلة ضرورية ويمكن أن تسهل فيما بعد الحوار في القضايا الخلافية .
الحوار مطلوب بل ومأمور
أما د. عبد اللطيف عربيات أمين عام حزب جبهة العمل الإسلامي الأردني سابقا، ورئيس مجلس الشورى في جماعة الإخوان المسلمين حاليا، قال:"إن الحوار الإسلامي العلماني مطلوب ومأمور به مع أيٍ كان مع المؤمن وغير المؤمن، فالإسلام غني بأمثلة بالغة الدلالة على هذا الحوار، حيث حاور الله تعالى الشيطان."
كما أمر رسوله الكريم بالحوار في قوله تعالى: (( ادعُ إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن ) ). وهذا نوع من التبليغ.
وأضاف أنه لابد من حوار ونقاش العلمانيين أصحاب الفكر الغربي بأساليب متطورة حديثة تناسب مختلف الطبقات والتوجهات (خاطبوا الناس على قدر عقولهم) .
وأشار إلى أن العلمانية تقوم على فصل الدين عن الدولة والتفكير العلمي المجرد، ونحن كإسلاميين لا نمانع الحوار، بل على العكس فإنه يعطينا فرصة لبيان عظمة الإسلام وقدرته على إقامة الحجة والبرهان، فنحن نؤمن بالله الواحد؛ وهذا يجعلنا نقف على أرض صلبة، مشيراً إلى أن الحقيقة العلمية قابلة للتعديل والتبديل فهي في تطور مستمر والعقل يتجدد ويتطور باستمرار.
وبيّن عربيات: أن هناك حقيقة إيمانية وحقيقة علمية، والسؤال الذي يطرح نفسه أيهما يؤول لصالح الآخر؟.
لقد قال تعالى (( ولا تقفُ ما ليس لك به علم إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسؤولا ) ). إن المتأمل في هذه الآية الكريمة يجد فيها أحدث أساليب البحث العلمي،"فالسمع"هو علم ما قبلنا، و"البصر"هو المنهج الوصفي،"والعقل"هو المنهج التحليلي.