إن هناك علوم نقل وعلوم عقل، علوم النقل فهي"علوم الشريعة والإسلام"، وعلوم العقل"هي العلوم الغربية الحديثة"، فمثلاً كان هناك جدل حول مسألة إقامة السلام مع إسرائيل، فالمؤيدون رأوا أنه لا فائدة من الحروب، فالسلام هو الحل، فهذه الفئة استخدمت عقلها فقط، لكن الإسلام يؤكد على أن السلام مع اليهود لن نحصد منه شيئاً، ويظهر ذلك في قوله تعالى (( أم لهم نصيبٌ من الملك فإذاً لا يؤتون الناس نقيرا ) )، فكان هناك صراع بين العقل والنقل، وأثبتت التجربة أن علم النقل كان الأفضل والأصدق.
هناك حقيقة عقلية وحقيقة نقلية، فالإسلام يوضح هذه الحقائق، ويجادل بالتي هي أحسن لتصل إلى حقائق أزلية، الإسلام لا يخشى حواراً بل يدعو إليه، سواءً مع المؤمن أو الصديق أو العدو ويمارسه، ولكن حسب المنهج والأساليب العلمية الموضوعية.
شروط الحوار وأهدافه
المفكر والباحث في الفكر السياسي الإسلامي، ورئيس قسم الفقه في جامعة الزرقاء الأهلية في الأردن د. رحيل غرايبة رأى في حديثه للإسلام اليوم أن الحوار ممكن من جهة الإسلاميين، فالفكر الإسلامي عموما يعتمد أسلوب الحوار العلمي مع كل المخالفين، بعلمية وموضوعية، وليس هناك ما يجعل هذا الحوار مستحيلا.
ومن الناحية الشرعية فإن القرآن أمرنا بالحوار والجدال بالتي هي أحسن، وقد أورد لنا القرآن حوار الله عز وجل مع إبليس، وحوار سيدنا إبراهيم مع النمرود، وقد حفل القرآن بنقاش عقلي منطقي يعتمد الأدلة مع الذين ينكرون اليوم الآخر، أو أولئك الذين يشركون مع الله معبودا آخر.
أما بخصوص شروط الحوار وقواعده، فيرى الدكتور غرايبة أنه لابد من اعتماد أرضية للحوار وأهداف وقواعد وأسس يتفق عليها الطرفان، وبعد ذلك تحديد القضايا والموضوعات التي سيناقشها الحوار، ويحدد الدكتور غرايبة في هذا السياق عدة قواعد أساسية لا بد أن تحكم الحوار، وهي:
الاعتراف والإقرار بوجود الاختلاف، وأن الاختلاف سمة المخلوقات جميعها، ومنها الإنسان، وهذا الاختلاف والتنوع ينظر إليه على أنه مسألة إيجابية وليست سلبية، إن تم التعامل معه بطريقة صحيحة.
الحرية الفكرية التامة والحرية العقدية هي أساس وقاعدة يجب أن يتم الانطلاق منها، بحيث يستطيع كل صاحب رأي وفكر أو معتقد أن يدافع عن فكره وعقيدته بحرية دون اضطهاد أو إرهاب فكري.
الحوار الموضوعي العلمي، الذي يعتمد على المسلمات العقلية والبدهيات المنطقية التي يجمع عليها المنطق والعقل السليم.
احترام الرأي الآخر وعدم التهكم والسخرية أو الهمز واللمز، وعدم التسفيه، مع الجرأة في الطرح وبيان التناقض في الموقف الآخر، بعيداً عن لغة المجاملة الفكرية أو الشخصية.
أما بالنسبة لأهداف الحوار فيجد الدكتور غرايبة أن أبرز أهداف الحوار هو تجلية الحق والوصول إليه، والبحث عن الصواب والالتزام به.
كما أن من أهداف الحوار البحث عن إطار للتعاون الفكري والثقافي، يعتمد قيم الخير والبر، وتحقيق مصلحة الأمة، ويقول د. غرايبة"فنحن جميعا نريد أمة قوية موحدة، لها فكرها المتميز وحضارتها الفريدة، وتسهم في إسعاد أبنائها وتنقل رسالتها للبشرية كلها، لها هويتها الثقافية التي تنتمي إليها، فكيف نحقق ذلك؟ وكيف نصل إلى هذه الأهداف المشتركة؟ وما هي مهمة العلماء والمثقفين والمفكرين وأصحاب الرأي جميعا في صياغة هذا الإطار الجمعي، الذي يستوعب الآراء المختلفة والجهود المتعددة، وأفكار العقلاء المبدعة؟..هذه الأسئلة التي تزداد إلحاحا علينا وتحتاج إلى إجابات."
ويمكن اختصار أهداف الحوار على الشكل التالي:
على الصعيد الداخلي: إيجاد أمة قوية موحدة، غير مخترقة فيها تعددية مقدرة، كلهم يشتركون في صناعة حضارة، ويسهمون في بناء القوة في الجوانب المختلفة: علمياً وفكرياً واقتصادياً ..
على الصعيد السياسي: إيجاد حرية سياسية منضبطة بالمسؤولية الأخلاقية، وتؤدي إلى أن تكون سلطة الأمة هي العليا، واحترام رأي الأغلبية، وعدم مصادرة رأي الأقلية، وفتح المجال أمام جميع القوى السياسية والحزبية في الإسهام في الرأي والحوار.
على الصعيد الخارجي: تميز في العطاء الحضاري، وصناعة قوة موازية بلا تبعية ولا عدوان على أحد تحمل رسالة مميزة، وتساهم في وجود سلام عالمي عادل مبني على الحق واحترام كرامة وخيارات الشعوب.
العلمانيون أنفسهم يؤمنون بامتلاك الحقيقة المطلقة