وتحت عنوان: ( الإرهاب الفكرى ) يؤكد المؤلف أن كافة الشواهد تؤكد أن حرية الفكر مخنوقة في العالم أجمع، وهى مهددة بشكل أو بآخر بنموذج العولمة الذى فرض نفسه فرضًا على المرحلة الراهنة في تاريخ البشرية رافضًا الاختلاف والتعددية في السياسة والثقافة ، ويحمل قادة الفكر المسئولية في حالة التردى الفكرى التى يمر بها العالم؛ لأنهم أسرفوا في تأييد الأيديولوجيات المختلفة، ثم أخذوا بعد ذلك مواقف متناقضة تبعث على السخرية في أحيان كثيرة.
و (العولمة) المصطلح الذى ذاع وانتشر وكأنه الموضة هى الساحة التى تشهد الإرهاب الفكرى من نوع خاص فالعولمة أو الليبرالية الاقتصادية أصبحت الدين المسيطر بعد أن أصبح العالم سوقًا واسعة، وهذه السوق هى التى تقرر، ومن ثم يطرح السؤال: ما هو دور السياسة إذًا؟ إلى جانب أسئلة أخرى مثل: إذا كانت العولمة لا مفر منها والسوق محتومة وإزالة الحواجز لا مهرب منها، فأين حرية الإنسان؟.
11 -يوتوبيا تغيير العالم:
ويحتوى هذا القسم على مقالات ثلاثة:
الأولى: «قبل أن تقع الحرب العالمية الرابعة» ويشير فيها إلى تعدد أشكال الحروب منذ الحرب الباردة مثل حرب الخليج الثانية، ثم في يوغسلافيا، حيث قادت أمريكا تحالفًا عسكريًا في هذين الحربين، وهناك الحروب الأهلية في مناطق عديدة في العالم حتى إذا جاءت أحداث 11 من سبتمبر فإن أمريكا تزيد من إنفاقها العسكرى حتى يصل لأكثر من 40% من الإنفاق العسكرى، وتقوم بحرب كونية بحثًا عن شبكة من الإرهابيين في عشرات الدول، مما يهدد بحرب عالمية جديدة تتواطؤ فيها حضارات معينة ضد حضارة واحدة.
والثانية « بعد انهيار الشيوعية، هل جاء دور الرأسمالية ؟ » ، ويقول المؤلف: إنه رغم الحديث عن أن الرأسمالية هى النموذج الأكمل والنهائى للبشرية بعد انتصارها على الاشتراكية، إلا أن سقوط الشركات الكبرى في أمريكا وفرنسا وأوروبا أصبح قادة الغرب ومنظريه على يقين أن هناك (عطبًا أساسيًا) فى عمق النظام الرأسمالى نفسه، مما يحتم إعادة النظر في آليات الرأسمالية، خصوصًا في مرحلة العولمة التى تتأسس على عزل الدول وإطلاق يد الشركات العابرة للقارات لتحقيق أكبر ربح بأقل التكاليف.
ولكن الحلول المقدمة لا تتجاوز إنشاء لجان رقابة على الشركات العملاقة لتحديد المسئوليات وضبط الحسابات ومراجعة التحليلات، ويؤكد القادة والمنظرون أنفسهم على أن الأيديولوجية الرأسمالية ستظل مثالية؛ لأن فشل النظام لا يعنى فشل الأيديولوجية، وهى نفس الحجة التى كان يسوقها البعض دفاعًا عن الشيوعية التى لم تسقط من وجهة نظرهم.
أيًا كان الأمر فإن الرأسمالية تمر حاليًا بأزمة حقيقية تفرض - لتجاوزها - إحداث تطوير مرحلة جديدة تختلف عن مرحلة العولمة على الطريقة الأمريكية، ويقول الأوروبيون: إن نموذجهم المبنى على السلام الدائم، وليس (الرعب) الذى قدمته إمبراطورية الفوضى الأمريكية هو البديل الطبيعى، ومع أن الطرفين دخلا في خلاف حول وسائل تصحيح المسار فإن العرب ما زالوا يسرعون بركوب قطار العولمة!
والثالثة «عولمة السلام» ، ويعنى به المؤلف الشعار الذى رفعه تيار غربى جديد يدعو فيه إلى ترويج قيمة السلام، وتحقيق الإجماع العالمى حوله لتعتنقه الشعوب كمبدأ أو كمذهب في الحياة الخاصة والعامة، بدلاً من ثقافة الحرب التى تدأب القوى الكبرى على غرسها في النفوس لتجنى وحدها الثمار التى تأتى بالضرورة على حساب أرواح الشعوب الفقيرة والمغلوبة على أمرها، وهذا يعنى أن هذا التيار يطمح إلى أن يضع حجرًا إضافيًا في صرح السلام والكفاح المتواصل ضد المفهوم المسيطر للأمن والمؤسس على التسليح والتحالفات العسكرية، لكن الذى يعيق هذا التيار أن القادة الحقيقيين للعالم ليسوا من يجلسون في المناصب السياسية، وإنما هم من يملكون الأسواق ومجموعات الميديا الكونية وطرق الاتصالات، بما يعنى أن القرارات التى تخص العالم لا تخضع لاقتراع عالمى؛ لأن هناك سلطات غير رسمية تسيطر على العالم وتقرر في سيادة تامة مصير الشعوب.
ويجب ألا يكون هذا باعثًا للتشاؤم نظرًا لأن الخلاص بدأ في تكوين نواة لمجتمع مدنى عالمى تضم عشرات المنظمات غير الحكومية والنقابات والتجمعات الأهلية، التى حملت شعلة الاحتجاجات في سياتل ودافوس وبورتو اليجرى، وبروكسل لتؤسس لفضاء مدنى دولى جديد يحاول إعادة تأسيس اقتصاد دولى جديد أكثر إنسانية وأكثر تضامنًا.
الخاتمة: لماذا يكره العالم أمريكا؟
إن المفارقة أن أمريكا في عيون العالم بما فيها الحلفاء في أوروبا يجتمع فيها النقيضان فهى قوة محسودة وقوة محتقرة بمعنى أنها أصبحت مثالاً يتمنى الجميع أن يقلدها أو يحذو حذوها، لكنها في الوقت نفسه وبسبب جبروتها الذى تمارسه على الجميع تثير في النفوس الضيق وربما الاشمئزاز.