فهرس الكتاب

الصفحة 6061 من 27364

فالتوحش الأمريكى الذى بات، وكأنه قرر محتوم كان سببًا في ظهور صرخات تنادى بمناهضة الأمركة بعد أن أضحت هذه الأمركة، وكأنها احتلال مباشر للدول، أما في أوروبا فإن اليمين الموالى لأمريكا شعر بخيبة أمل؛ لأنه أصبح هامشيًا بجوار السطوة الأمريكية الطاغية، أما يسار أوروبا فلقد أخذ موقف الكاره؛ لأنه ببساطة يكره الديموقراطية والاقتصاد الحر كما تمثلهما أمريكا.

والمرارة الأوروبية تأتى أكثر من فرنسا التى وقف شعبها عدة دقائق حداد على ضحايا 11 سبتمبر، ولكنها رفضت السياسات الأمريكية اللاحقة؛ لأنها لم تعالج السبب المباشر للإرهاب - من وجهة نظرها - وهو معاناة الدول الفقيرة والتناقض الفج بين بؤس شعوب هذه الدول من ناحية ورخاء الشعب الأمريكى من ناحية أخرى.

ويتفق المؤلف مع هذا الرأى الفرنسى معتبرًا أن العولمة/ الأمركة مسئولة عن زيادة الفقراء فقرًا والأغنياء غنى، والمعروف أن معمل هذه العولمة يوجد في الولايات المتحدة، لكنه يقول: إن الازدواجية في الموقف مع الأمريكيين، بمعنى التعاطف معهم والإعلان أنهم يتحملون جزءًا من المسئولية هو نفس الموقف مع العراق، فهم يتعاطفون مع الشعب العراقى، ولكنهم يتفهمون ضرورة إزاحة نظام صدام حسين، ولكن يدخل في هذا الموقف من العراق بعد اقتصادى، حيث إن الدول الرافضة لاستخدام القوة ضد العراق ترى أن الحرب ستعرض مصالحها الاقتصادية الحيوية للخطر.

والملاحظ أن المؤلف لم يعمل على تطوير الإجابة على التساؤل: لماذا نكره أمريكا؟ ويوجه اللوم إلى أوروبا والقوى الكبرى الأخرى؛ لأنها بدورها تقاعست أمام الجموح الأمريكى وأفسحت المجال رحبًا أمام أمريكا - وهذا صحيح - وكأنها القوة الوحيدة في العالم ويخص أوروبا بالقول إنها (انتحرت) عندما لم تقدم المساعدة لأوروبا الشرقية أو تتواصل مع أفكارها الشيوعية، مما أدى لتكريس ضعف أوروبا بعد حربين عالميتين لصالح أمريكا.

وبعد انتقادات وجهها المؤلف لأوروبا يعود للإجابة على تساؤل: لماذا نكره أمريكا؟ بالتأكيد أن سياساتها الأحادية كانت السبب الأساس في هذا، ومن الأمثلة على هذه السياسات رفض التوقيع على اتفاقية كيوتو الخاصة بالانحباس الحرارى، رغم أن الشركات الأمريكية هى المسئولة عن أكثر من نصف ظاهرة الانحباس الحرارى في العالم، وكذلك انحيازها ضد بعض الشعوب التى تطبق حقها في تقرير المصير مثل كشمير وفلسطين.

وهذه السياسات المتحيزة والأحادية طالت أوروبا نفسها لذلك لا غرابة أن نجد الأوروبيين بعد أن أعلنوا عقب أحداث 11 من سبتمبر (كلنا أمريكيون) عادوا وقالوا (لسنا أمريكيين؛ لأن الأمريكان شيء، ونحن في أوروبا شيء آخر) ، وجاء ذلك بعد تزايد ممارسات واشنطن في الملف الأسود الذى تمسك به بقوة ضد بعض المصالح الأوروبية مثل: الملف الزراعى، ففى الوقت الذى تحرم فيه على الأوروبيين تقديم مساعدات لمزارعيها تفعل هى نفس الشيء مع الفلاحين الأمريكيين.

وعبثًا حاول الرئيس الأمريكى جورج بوش أن يخفف من هذه الانطباعات لدى الأوروبيين عندما قام بجولة أوروبية في عام 2002، إلا أن التظاهرات استقبلته في باريس وبرلين وروما بالهتاف (لا للحرب) ، ( لا لحكم رعاة البقر) ، إلا أن جميع سلوكيات أمريكا لم تعد تصب إلا في نهر الكراهية التى تزداد نيرانها تأججًا يومًا بعد يوم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت