ولعله من مفارقات الأقدار أن كثيرًا من المتحدثين باسم الدين في عهود الانحطاط، قد جردوا الدين من هذا المعنى الحضاري الشمولي الذي يسم المجتمع المسلم ويعطيه كينونته، وانصرفوا إلى الدين بمعناه الأوربي الضيق، يلحون على تفصيلات الأحكام، ويتصيدون المفارقات بين نموذج الإسلام الأمثل والإسلام التاريخي المطبق في حياة الناس. وبذلك وقر في نفوس كثير من الناس - خاصة في العصور الحديثة - أن الإسلام قد انحسر عن حياة الناس ولم يعد له مكان إلا في هذه الأضابير والمدوّنات وكتب الفقهاء وعلماء الشريعة. فإن الدين هو ما يتحدث عنه هؤلاء فهو فعلًا قابع في الكتب والمدونات. ولكن الدين ليس مقصورًا على هذا وحده رغم أهميته، كما رأينا في المجتمع الإسلامي، بل الدين هو كل الحياة. ويكفي أن تدلل على هذا الفهم الضيق لمعنى الدين أن المسلمين الأوائل فهموا من كلمة العلم كل معرفة يكتسبها الإنسان، ولكن معنى العلم تقلص في عهود التخلف ليصبح وقفًا على علوم الشرع وحدها. وهذا التضييق في معنى الدين ناجم عن التضييق العام الذي اعترى حياة المجتمع المسلم في فترة التيه التي أعقبت انهيار دولة الإسلام، وما تبع ذلك من الانهيار العام في كل جوانب الحياة الاقتصادية والاجتماعية والعلمية، بفعل الغزو التتري، والحروب الصليبية، وتمزق الدولة بين الأمراء المتصارعين، وتسلط المماليك ومن إليهم، مما أدى إلى الإفقار العام، وإغلاق المدارس المتخصصة، ومعامل العلماء ومراصدهم، والمكتبات الكبرى في كل مدن الإسلام، فانطفأت جذوة العلم التي ازدهرت بها حضارة الإسلام في الطب والهندسة والفلك والفلسفة، وهذه كلها كانت ترفد علوم الدين وتمنحها الحيوية الدافعة للاجتهاد ليواكب الفقه تطور المجتمع، وبانهيار كل هذه العلوم وانحسارها وانتقال ثمراتها إلى أوربا - لتقيم عليها حضارتها الراهنة - لم يبق للمسلمين سوى الحد الأدنى الذي يحفظ عليهم وجودهم، وهو علوم الدين بمعناه الضيق، وما يتصل بها من علوم اللغة، وبفقدان المجتمعات المسلمة السيطرة المركزية على حياتها من جراء ذلك تم الانفصام في حياة المجتمع، وانشطرت الوحدة العضوية التي كانت قائمة بين الدين والدنيا، خاصة على المستوى الرسمي، ولم يعد الولاة يهتمون بأمر الدين إلا في الحدود التي تضمن تسلطهم، وانصرف الفقهاء للتشبث بما بين أيديهم من نصوص هي كل ما تبقى من آثار الإسلام الملموسة، يلحون عليها بالشرح والتعليق بعيدًا عن واقع الحياة وتطورها.
ولكن الإسلام كحضارة وتراث كامن في النفوس، ظل يصوغ شخصيات الأفراد والجماعات طوال هذه القرون، وقد أسهم العلماء والفقهاء في رفد هذه الحركة الحضارية بإلحاحهم على تعليم الناس ما يجب معرفته من أسس دينهم، وإن كانوا يرون ما هم بصدده هو الدين لا غير.
وهذا يعود بنا إلى نقطة البداية التي انطلقنا منها. فهناك النموذج الأمثل للحضارة الإسلامية - كما تبدو في صورتها الرسمية المدونة في الكتاب والسنة والشريعة - وهناك ما ترسب منها في حياة الناس وعقولهم وقلوبهم، وقد تتبعنا ما انتهى إليه الأمر في مجتمعات المسلمين.