فهرس الكتاب

الصفحة 60 من 27364

ورغم أننا ذكرنا أن ما انتهينا إليه هو في جماعة التجسيد الحي لفكرة الإسلام في إطار الزمان والمكان، إلا أن هناك من الظروف الموضوعية - وعلى رأسها تخلف المسلمين وتكالب أعدائهم عليهم خاصة في الحقبة الأخيرة - ما يحول بين هذا التجسيد والانطلاق في رحاب الزمان، بحيث تتجدد الشخصية وتزداد ثراء وتتخلص من قيودها. وقد سلف القول أن ما يتشربه الناس من قيم الحضارة في عنفوانها يختلف عما يؤول إليه أمر الناس في عصور التدهور والانحطاط. فإن الانهيار المادي يعقبه بالضرورة انهيار فكري، ومن ثم تحدث الانقسامات في المجتمع، وتستحيل كثير من دوافع القوة والمخاطرة التي كانت مبعث الحركة والنشاط في البداية إلى قوى سالبة تعوق حركة المجتمع وتبقيه حيث هو، لأنه لا يضمن أن ما سيأتي به في المستقبل خير مما هو عليه فالإيمان بالقدر خيره وشره - الذي كان يدفع بالأولين إلى المخاطرة والمجازفة إيمانًا بالقضاء والقدر - استحال في النهاية إلى تواكل وخمول وانتظار لما سيأتي به القدر، لأن ما هو مقدر لابد أن يأتيك فلماذا تجهد نفسك؟. وإرادة الفاعل التي كان يرى فيها المسلم الأول سر حركة الكون وسر نشاطه هو، تصبح في عهود الجمود مدعاة لتعطيل إرادة الأفراد ووضع القيود على حريتهم في الحركة، لأن الله لو أرادك على غير ما أنت عليه لفعل، فلماذا تعاند إرادة الله؟ وهذه الإرادة الإلهية الفاعلة التي حفّزت المسلمين الأوائل للبحث والتنقيب عن أسرار الكون - كما أمرهم الله - فأقاموا صرحًا للعلوم الطبيعية دعموا به مكان العقل في فهم العلاقات بين الأشياء، استحالت في نهاية المطاف إلى قوة رهيبة تلغي قانون النسبية، وتعطل معظم ما يستقيم مع العقل من الأفعال وردود الأفعال. ومن ثم انفتح الباب واسعًا أمام الخرافات والأساطير والدجل، وأصبح معظم الناس يعيش في عالم غيبي لا تحكمه قوانين الطبيعة، ولا يتقيد بالأسباب، وإنما تسيطر عليه الشطحات والغارات والطيران في الهواء وغير ذلك من الخوارق والكرامات التي نفاها رسول الإسلام وكان أحق بها من غيره. وهكذا أوغل معظم الناس في الجهالة، واستغلهم المستغلون باسم الدين، واستبد بهم الحكام فاستعانوا على دنياهم بهذه القيم، وبعدت الشقة بينهم وبين قيم دينهم الفاعلة، واستحالت العبادات التي ترمز لهذه القيم إلى حركات آلية يفعلها المسلم بحكم العادة والألفة، دون أن تردع عن غيّ، أو تدفع إلى خير إلا في أضيق الحدود، رغم كثرة المساجد ودور العبادة وكثرة مرتاديها، ولكنهم كما قال رسول ا صلى الله عليه وسلم غثاء كغثاء السيل، نُزِعت المهابة من قلوب أعدائهم، ووُضع في قلوبهم الوهن، وهو حب الدنيا وكراهية الموت. وفي كل ذلك إشارة إلى أن الشخصية الحضارية رغم احتفاظها بجوهر كيانها المستقر في القلوب والضمائر، قد اتجهت تحت ظروف الجهالة والاستبداد والفقر وجهة سلبية في كثير من جوانبها، ولكنها ما تزال تحمل في عمق أعماقها روح حضارتها وبذرة إبداعها، من إيمان بالله، وإيمان بالإنسان وقدرته على صنع المعجزات. وهي رغم غشاوات الجهالة وتخلف القرون التي رانت عليها وحجبت جذوتها عن الإشعاع في واقع حياة الناس، إلا أنها كامنة وتنتظر لحظة الوعي واستعادة الإرادة لتتفجر من جديد.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت