فهرس الكتاب

الصفحة 58 من 27364

الإسلام في إطار الزمان والمكان، هو التشخيص الواقعي لمعطيات الحضارة الإسلامية. وقد ظلت شخصية الفرد المسلم والجماعة المسلمة قوية متماسكة أمام كل التحديات. وقد وجد المستعمرون في ذلك عنتًا شديدًا ورهقًا. ولم يفلحوا رغم كل جهودهم في إضعافها وتحويلها عن منابعها. والشواهد على ذلك ماثلة في شمال إفريقيا وفي الجزائر بالذات، التي جاهد مناضلوها الاستعمار الفرنسي لأكثر من مائة وثلاثين عامًا، وانتصروا بإسلامهم على المستعمرين. ومثل ذلك تم في معظم بلاد المسلمين. ولفشل المستعمرين في تحويل المسلمين عن إسلامهم - رغم ما بذلوا من جهود تربوية واقتصادية وثقافية وإعلامية - فقد انصرفت جهودهم إلى الهجوم على الإسلام والمسلمين بحسبانهم رمزًا للجمود والتقليد ومجافاة التطور، زاعمين أنهم لا يرجى صلاحهم إلا بالتخلي عن هذا الداء الكامن القديم، ببتره واستئصاله، وبذلك وحده يمكنهم الانخراط في كل مظاهر الحضارة الغربية وشكلياتها، ويزعمون أن ذلك ناجم عن تعصب المسلمين الديني، فهم يريدون تحكيم الدين في زمان انتهى فيه أمر الدين كقوة في حياة المجتمع، أصبحت الدولة علمانية لا تتقيد في حركتها بتوجيه ديني، إذ أصبح الدين أمرًا شخصيًا لا علاقة للآخرين به. وهذا الأمر في ظاهره منطقي لو أن الأمر أمر دين لا يتناول قضايا المجتمع بالتفصيل كالدين المسيحي أيضًا، أو لو أن الأمر أمر مجتمع كالمجتمع الأوربي الذي هو في الواقع تجسيد لمعطيات الحضارة الإغريقية الرومانية في إطار مسيحي. فما أكثر مظاهر هذه الحضارة الغربية النابعة أصلًا من هذا التراث الأوربي المشترك، وذلك قد ينسجم عاطفيًا وشعوريًا مع الشخصية الأوربية، ولكنه قد لا ينسجم مع شخصيات حضارية أخرى مختلفة المنابع.

ويتبين خطل هذه المقارنة بين المجتمع المسلم والمجتمع الغربي؛ من أن عنصر الدين الذي كان في حياة الفرد الأوربي - خاصة في أيام طغيان البابوات - شيئًا غريبًا عنه، بل عدو يضغط على حريته الفكرية والشعورية ويستلب مقدراته، ولا حلّ إلا بمحاربته وإقصائه، بحيث يكون شيئًا هامشيًا لا يحكم علاقات الأفراد، ولا يتسلط على الحاكمين والمحكومين. وقد تم ذلك في حدود. لكن عنصر الدين في حياة الفرد المسلم هو النسيج الحضاري الذي يلف كل كيانه، ويطبع شخصيته بطابعها المميز في الفكر والشعور والمسلك، في المنزل، وفي الشارع، وفي كل مكان، وهو أمر شخصي ذاتي متغلغل في حنايا النفوس والقلوب. لم يعد دينًا خارجيًا عقليًا بل أصبح إرثًا حضاريًا وذاتية، بل قومية.

وهذا يفسر طغيان هذه الذاتية الحضارية على كل المسلمين، وإن لم يتقيد الكثيرون منهم بحرفيات الدين بمعناه الضيق في عرف الأوربيين. وتجريد حياة المسلمين من الدين - بعدوى العلمانية - لا ينتهي بإقصاء الدين فحسب، بل ينتهي بتجريد الأمة من كل مقوماتها، وتدمير شخصية الفرد والجماعة التي صاغتها تعاليم الدين التي هي دينية ودنيوية في ذات الوقت.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت