ويؤكد ما نذهب إليه أن للعَلمانية - بالفتح - أصلاً لاتينياً سابقاً للعلم الأوربي الحديث""إذ لا علاقة للأصل اللاتيني SECULUM بالعلم من قرب ولا من بعد ، وإنما صحتها بفتح العين نسبة إلى العَلْم بمعنى العالم الدنيوي"" ( ) . أما العِلمانية - بالكسر - فهي احتكام لمنطق العلم - دون سواه - في تأويل الأشياء المتصلة بمختلف أوجه النشاط البشري ( ) .
وقد ظهرت لفظة العِلمانية - بالكسر - في بدايات القرن العشرين تقريباً سنة 1911م تياراً ذهنياً يقوم على حل المشاكل الذهنية بواسطة العلوم ، فهي تنطلق من الإيمان بأن للعلم قدرة فائقة على إعطاء تفسير علمي للأشياء ، أو كما قال جون فيول:""الاعتقاد في القدرة الفائقة للعلم الوضعي حتى في المجال الديني"" ( ) ، وفي القاموس الإنجليزي الجديد:""العِلمانية - بالكسر - تعني العادات وطريقة التعبير لدى رجل العلم"" ( ) ، ويرى فريدريك فون هايك صاحب كتاب " العلمانية وعلم الاجتماع أن هذا المفهوم""تبلور معناه واكتمل مدلوله عندما تكونت الجمعية البريطانية للتطور العلمي"" ( ) ."
ونختم هذه الفقرة بالقول:
إن العِلمانية - بالكسر - مشتقة من العِلم وتدعو إلى الاحتكام إلى العلم ، وهي ظاهرة حديثة وظفتها العَلمانية - بالفتح - توظيفاً خاطئاً وخطيراً على البشرية والإنسانية جمعاء .
وكما يبدو فنحن كمسلمين لسنا ضد العِلمانية - بالكسر - لأن ديننا وقرآننا يدعوانا إلى الاحتكام لمنطق العلم ( وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا (( ) ويمجد العلماء ( قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الألباب (( ) ولكن الخلاف بيننا وبين العِلمانيين في تحديد مفهوم العلم ، فالعلم عند الغربيين الطبيعيين لا يتناول إلا المحسوسات والمشاهدات ، فهو العلم الطبيعي والرياضي فقط ( ) ولا صلة له بالميتافيزيقا أو بالأسئلة الكبرى المتعلقة بمصير الإنسان ، وإن العالِم بنظرهم ما إن يسأل نفسه هذه الأسئلة ويحاول الإجابة عنها حتى يتحول عن سلوكه كعالم ويتخلى عن وظيفته العلمية ( ) ، أما عندنا فالعلم يشمل كل ما يتصل بالكون والإنسان والحياة .
فنحن إذن على المستوى العملي على طرف نقيض مع العِلمانية - بالكسر-لأن هذه الأخيرة تحصر العلم في المحسوس في الدنيوي وتقوم على عقلانية مادية وضعية اجتماعية وتطرح مفهوماً جديداً للعلم يحيد التفكير الميتافيزيقي عن ساحته ( ) .""فالعِلماني - بالكسر- هو من يتخذ من المعرفة العملية كما هي ممثلة في العلوم الطبيعية بخاصة نموذجاً لكل أنواع المعرفة، إنه يتبنى وجهة النظر الوضعية، مما يعني عدم اعترافه بإمكان المعرفة الخلقية أو الدينية أو الميتافيزيقية ، لأن القضايا المزعومة لأي منها لا يمكن إخضاعها - حتى من حيث المبدأ - لمعايير العلم"" ( ) ،فالفهم العلمي العِلماني - إذن - يتنافى مع الإيمان بالوحي الإلهي ( ) وهكذا تعود العِلمانية فتنقلب إلى عَلمانية.
والخلاصة: أن لفظتي عَلمانية - بالفتح - وعِلمانية - بالكسر - تصلحان تعبيراً عن الظاهرة المادية التي تستولي اليوم على مجتمعاتنا الإسلامية ، وذلك لأن الكلمتين متكاملتان متفاعلتان من حيث المفهوم ، فالعَلمانية هي تكريس للدنيوية ، والعِلمانية أساس هذا التكريس لأن العلم بمفهومها هو العلم المادي والتجريبي والطبيعي - أي الدنيوي فقط - ولا تعترف بعلوم غيبية ميتافيزيقية أخرى . فالعَلمانية وإن لم ترتبط بالعلم من حيث الاشتقاق ولكنها لا تنفك عنه إذ هي ارتبطت تاريخياً بتعلم العلوم العقلية والطبيعية والتجريبية ( ) .
وأخيراً يمكن القول أيضاً: إن بعض الإسلاميين الذين يستخدمون العلمانية - بالفتح - لا يفعلون ذلك بسوء نية ، وبقصد فصل العَلمانية عن العلم وربطها بالدهرية كما يزعم بعض العلمانيين ( ) ، وإنما يفعلون ذلك لأن معاني الكلمة ومصادرها واشتقاقاتها في اللغات الأجنبية لا صلة لها بمفهوم العلم - كما رأينا - وصلتها - كما رأينا - في دوائر المعارف والمعاجم ودراسة تاريخ الكلمة أقوى ما تكون بالدنيوية والمادية ، كما أن السياق التاريخي والاجتماعي الذي نشأت فيه العلمانية وتبلورت يؤكد على ربط المصطلح بالعالم المحسوس والمادة فقط .
( ) انظر: يمكن مراجعة ما عرضناه من تعريفات للعلمانية في المصادر الغربية في المبحث الأول من الفصل الثاني .
( ) انظر:د . عبد الصبور شاهين"العلمانية - تاريخ الكلمة"ص 124 مقال ملحق ضمن كتاب أحمد فرج"جذور العلمانية".
( ) انظر: السابق ص 126 ملحق ضمن كتاب جذور العلمانية"وانظر: د . القرضاوي - التطرف العلماني ص 13 ."
( ) انظر: منير البعلبكي"قاموس المورد"ص 510 ، 517 ، 518 ، 527 - دار العلم للملايين - بيروت 1970 .