إلا أن الأغلبية الساحقة من الباحثين والمفكرين ينطقون الكلمة بالفتح وينسبونها إلى العالَم وليس إلى العِلم ، وهو ما يتفق مع المصادر الغربية التي توضح مصدر الكلمة ومعناها والغاية منها ، ومن هؤلاء الدكتور محمد البهي ( ) والدكتورسيد محمد نقيب العطاس ( ) والدكتور محمد عمارة ( ) والدكتور عبد الوهاب المسيري ( ) وأستاذنا الدكتورالسيد رزق الحجر ( ) والدكتور أحمد فرج والدكتور عبد الصبور شاهين والدكتور عدنان الخطيب ( ) والدكتور عبد الله كامل ( ) والدكتور: محمد سالم محمد ( ) والدكتور زكريا فايد ( ) ومحمد إبراهيم مبروك ( ) والدكتور يحيى هاشم حسن فرغل ( ) والدكتور حسن حنفي ( ) والدكتور محمد عابد الجابري ( ) والدكتور مراد وهبة ( ) والدكتور عادل ضاهر ( ) وحسين أحمد أمين ( ) والدكتور عبد المجيد الشرفي ( ) والدكتور فادي إسماعيل ( ) وغير هؤلاء من الباحثين إسلاميين وعلمانيين كثير ، وليس مرادي هنا الاستقصاء ، وإنما المراد هو أن أمهد لملاحظتين تبدوان هما السبب - بنظري - للخلاف بين الباحثين في نسبة الكلمة:
الأولى: هي أن التقارب في الألفاظ بين العَلمانية - بالفتح -والعِلمانية - بالكسر - قائم في اللغة العربية مما أوقع بعض المعاجم والباحثين في اللبس وشاع ذلك قبل أن يتبين الباحثون الخطأ من الصواب .
الثانية: أن العَلمانية - بالفتح - والعِلمانية - بالكسر - ظاهرتان بارزتان في الفكر الغربي ، وإحداهما تكمل الأخرى ، ومع أننا نرى أن العَلمانية - بالفتح - ظاهرة قديمة وممتدة في عمق التاريخ ، وتغلغلت في كافة الحضارات ، إلا أنها في العصر الحديث وفي أوربا بالذات تفاقمت بشكل لم يسبق له مثيل ، وشد أزرها في ذلك العِلمانية - بالكسر - أي تطور العلم وارتفاع مستوى السيطرة الإنسانية على الطبيعة، نتيجة للكشوفات العلمية المتلاحقة التي غيرت نظرة الإنسان إلى الكون، فولّد هذا العلم أو العِلمانية - بالكسر - الغرور الشديد بالذات الإنسانية ، والاعتداد المفرط بقدرة الإنسان وعقله ، ونتج عن ذلك العَلمانية - بالفتح - أي الدنيوية والتطلع إلى هذا العالم القريب المحسوس المشاهد ، وانعدام أي أمل في عالم آخر غيبي مفارق .
وأهم عنصر ولدته العِلمانية - بالكسر - هو انعدام الانبهار بالطبيعة ، وتجريد الطبيعة من العناصر والإحالات الزائدة ، والمقصود بالعناصر والإحالات الزائدة العناية الإلهية ، أو الآثار الإلهية في الكون ، أو الماورائيات والغيبيات التي يمكن أن تدل عليها الطبيعة ، وبالتالي انفتح المجال أمام الإنسان للتصرف في الطبيعة بحرية ، واستخدامها وفق حاجاته وغاياته ( ) .
إن هذا التجريد العلماني للطبيعة من مغزاها الروحي ، والحط من قيمتها بحيث لا تتجاوز مجرد كونها شيئاً من الأشياء خالياً من أي معنى علوي قدسي قد كان هو العامل الأساسي الذي انطلقت منه عملية العلمنة في الغرب ( ) .
وهكذا ترسخت الدهرية والدنيوية - العلمانية - بالفتح - في ضمير الإنسان وتطلعاته نتيجة للعِلمانية - بالكسر - كما رأينا في التمهيد وأصبح همه أن يتصرف في العالم حسبما يريد ، ويتمتع بدنياه كما يحب ودون أية قيود . ولذلك فإن أقرب كلمة تصلح أن تكون مقابلاً لمصطلح العَلمانية - بالفتح - كما يقترح د . سيد محمد نقيب العطاس هي ما أشار إليه القرآن الكريم دائماً بعبارة"الحياة الدنيا"فلفظ دنيا المشتق من"دنا"يعني كون الشيء قد جُعل قريباً ، وعلى ذلك فالعلم الطبيعي قد جعل العالم قريباً من الإنسان ، وتحت سيطرته وخاضعاً لوعيه ، وخبرته العقلية والحسية ، وبما أن العالم قد أصبح كذلك فإنه من المؤكد سيصرفه عن مصيره الأبدي الذي يتجاوز هذه الحياة الدنيا إلى الآخرة . وبما أن الآخرة تأتي في النهاية فإنها تبدو للإنسان العجول بعيدة ، وهذا الشعور من شأنه أن يزيد في الإلهاء الذي يسببه ما هو قريب ومغري ، ولذلك نجد هذه الحياة الدنيا ، وهذا العالم هما محور المنظور العلماني ومَحَطُّ اهتمامه ( ) .
ثانياً - خلاصة القضية:
لم ننته بعد من الحديث عن الفرق بين العَلمانية - بالفتح - والعِلمانية - بالكسر - وقد ذكرت آنفاً - وفي التمهيد ، وأتفق في ذلك مع د ."عدنان الخطيب كما أشرنا ( ) و د . فتحي القاسمي كما سنشير ( ) أن العَلمانية - بالفتح - قديمة قدم التاريخ والحضارات ، ذلك أن العَلمانية"الدنيوية""حلوة خضرة"وفيها إغراءٌ شديد للإنسان العجول المجبول على الرغبة في السعادة العاجلة ، والتغاضي عن السعادة الأبدية التي تبدو له بعيدة ، وفي القرآن الكريم آيات كثيرة تؤكد أن أمماً كثيرة ، وأقواماً كثيرين قد اختاروا الحياة الدنيا على الآخرة ، وهذا هو جوهر العلمانية ( ) ."