فهذه الميزات الثلاث (التعددية الحزبية، والانتخابات، وفصل السلطات) من أبرز السمات الشكلية للنظام الديمقراطي, أو النظام النيابي.
وبإعادة النظر الفاحص على تلك الميزات أو السمات الموضوعية والشكلية, يبدو واضحاً أن النوع الأول وهو السمات الموضوعية, يتناقض صراحة مع مبادئ التشريع الإسلامي, فالسمة الأولى وهي وضع القوانين وتشريعها, تتصادم مع أهداف النبوات والرسالات السماوية, لأنها تنازعها (أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ ) [الشورى:21] .
وأما السمة الثانية وهي: فصل الدين عن الحياة, واستبعاده من واقع الحياة الاجتماعية, فهي كسابقتها, إذ فيها تفريق للدين وللحق, (إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا*أُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقًّا وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا) [النساء:150-151] .
وأما السمة الثالثة وهي الحرية, فإن فيها الحق وفيها الباطل, فلا يمكن الأخذ بها جملة, ولا يمكن رفضها جملة ، بل يتعين تحديد مساحة الحرية المشروعة ليؤخذ بها, ليس لأنها ابتكار غربي أو منحة غربية؛ بل لأنها من طبيعة الحق في الإسلام, لكن ربما عرفت بأسماء ومصطلحات أخرى غير مصطلح (الحرية) .
وإذا كان هذا المصطلح غير شائع في الفكر الإسلامي فلا يقتضي ذلك رفضه ورده؛ بل المشروع تجاهه وتجاه نظائره من المصطلحات الوافدة أن نحررها بدقة, ونقبل الحق منها, ونطرح ما سواه.
أما السمات الشكلية وهي: التعددية الحزبية, والانتخابات، وفصل السلطات, فالذي يبدو لي أنها من جملة التراتيب أو التنظيمات الإجرائية, التي يمكن أن يستفاد منها، وهي مثل النظام التعليمي المعاصر الذي ساد العالم كله تقريباً, حيث أصبح يجري وفق تراتيب صارمة لا يمكن التنازل عنها, كتقسيم المراحل إلى: ابتدائية ومتوسطة وثانوية, وجامعية, ثم دراسات عليا , والطالب لا يتجاوز المرحلة إلا بدراسة منتظمة لجميع المقررات المحددة، وبساعات محددة، وبنسبة محددة أيضاً.
وهذا أسلوب غير معروف بهذه التفصيلات عند علماء المسلمين قبل نحو قرن؛ بل لو اقتربنا إلى السياسة أكثر ودخلنا في تراتيبها لوجدنا أن التراتيب المعاصرة تختلف عن سابقاتها, فالدولة في المفهوم المعاصر تختلف عن الدولة في العصور الإسلامية القديمة, حيث أصبحت مسؤولة عن كل شيء, إشرافاً أو تنفيذاً, ولا سيما فيما يعرف بالخدمات, كما أن تعيين الوزراء ومن يماثلهم أو يقاربهم أصبح له أسلوب خاص, سواء من حيث نوع الوزارة واختصاصاتها, أو من حيث تحديد مدة الولاية, وكذلك من حيث توزيع الاختصاصات والصلاحيات والمهمات، فلمجلس الشورى اختصاصات, ولمجلس الوزراء اختصاصات ... وهكذا.
وإذا ما اتفقنا على أن مثل هذه القضايا (أعني التعددية الحزبية , والانتخابات , وفصل السلطات) أنها من جملة التراتيب, فالذي يحكمها هو مبدأ (جلب المصالح ودرء المفاسد) الذي بني عليه إجراءات كثيرة تمت في العهود الإسلامية, ولا سيما في العهد العمري ( نسبة إلى عمر بن الخطاب) الذي أدخلت فيه الدواوين وغيرها.
ومن هنا فالذي أرى أن من التكلف والتعسف البحث عن أدلة تفصيلية خاصة على شرعية التعددية أو الانتخاب, وفصل السلطات أو نحوها من القضايا الإجرائية, أو عدم شرعيتها, ومن يفعل ذلك فلن يسلم له دعواه, فالدليل المثبت أو النافي لابد أن يتطرق إلى التأويل أو الاحتمال, وعلى هذا فكل التراتيب والتنظيمات الإجرائية مبناها على المصالح والمفاسد.
سيقول قائل: إن تقدير المصالح والمفاسد سيكون محل اختلاف بين أهل العلم أو أهل الرأي والنظر, ومن ثم سيبقى الاختلاف في هذه القضايا؟
وهذا أمر وارد فعلاً, إلا أن أصل الدليل لا غبار عليه, فيبقى تحريره ليس إلا .
لذلك أرى أن الأمر بحاجة إلى مزيد من الدراسة والبحث والتفكير, من أجل تحديد المصلحة طبيعة وحجماً ومثلها المفسدة, للخروج برأي ناضج.
على أنه يجب ألا يفوتنا التنبيه على أمر مهم هو: أن القول بأن مثل الانتخاب ترتيب إجرائي وأنه يجوز الاستفادة من تجارب الآخرين مما لا يتعارض مع التشريع, لا يقتضي بالضرورة قبول المبدأ برمته؛ بل قد يكون فيه المفيد وغير المفيد, أو تجتمع فيه المصلحة والمفسدة، ومن هنا علينا أن نجري الموازنة, فإذا رجحت المصالح والفوائد قبلناه.
ثم علينا أن نعبر به من خلال الغربال الشرعي المفصل فنستبعد كل ما هو ضار, دينياً أو دنيوياً.
وبهذا الأسلوب في التعامل مع الأفكار والإبداعات الأجنبية نستطيع أن نصهر كل جديد, فندخله إلى الوطن الإسلامي, أو الميدان الإسلامي بثوب إسلامي أصيل.
ولنا باللغويين العرب أسوة, فقد كانوا يعربون الألفاظ الأجنبية بطريقة لغوية دقيقة, فيصوغونها صياغة تتفق مع أحد الأوزان اللغوية المعروفة, والمعاجم اللغوية مليئة بالألفاظ المعربة.