فهرس الكتاب

الصفحة 5400 من 27364

ومما يمكن تعديله في الانتخاب: قصره على فئات معينة, تتصف بصفات عالية, مثل: العلماء, والقضاة, وأساتذة الجامعات, والحاصلين على الشهادات العليا, ونحوهم من الفئات.

ليس من المصلحة, ولا مما يرشد إليه العقل الصحيح أن تفتح مصارع الأبواب كلها لكل من هب ودب من الرعية ليعطي رأياً أو ينتخب شخصاً, قد لا يعرفه أو لا يسمع به, أو لا يعرف مؤهلات الترشيح وأسبابه, لذا لابد من استبعاد الجاهل, والعامي, وأصحاب الفكر المنحرف, وأصحاب السوابق المخلة بالشرف, وغير المسلمين, وأمثال هؤلاء، والاقتصار على أؤلئك النخب المثقفة.

وهذا الأسلوب المنضبط أشبه بنظام (أهل الحل والعقد) المعروف فقهياً وتاريخياً, والذي كان له أثره المهم في حياة الأمة المسلمة, مع تفاوت في التأثير من مجتمع إلى آخر, ومن زمان إلى زمان.

وقد كان العلماء المبرزون هم أبرز أصناف أهل الحل والعقد, وكان لهم (العلماء) آثار ظاهرة على مدار التاريخ الإسلامي, في مجالات متعددة, يأتي في صدارتها: التعليم والتربية, والإفتاء, والقضاء, والحسبة, وإمامة الصلوات, والخطابة, هذا هو أدنى الأعمال التي كانوا ومازالوا يقومون بها.

وقد يتحملون أعمالاً ثقالاً ذات مساس بالحياة السياسية, مثل الشورى, والنصيحة, وتولي بعض الولايات العامة, كالوزارة وإمارة الجيش والجهاد في سبيل الله.

وكان يشاركهم في المسؤولية ويساندهم أصناف أخرى من أصحاب الزعامة والرئاسة والجاه, ونحوهم ممن كان يؤثر اقتحام الحياة العامة.

ذلك من أهم أعمالهم ووظائفهم, برغم أنهم هيئة ليس لها تنظيم محدد.

وفي العصر الحاضر يمكن أن يوضع لها تنظيم دقيق يحدد الصفات والاختصاصات, وتكون كالمجلس الأعلى الذي يشرف على مؤسسات الدولة, وتصرفاتها, كما تكون مسؤولة عن الترشيحات والانتخابات ، أما الترشيح فيسند إلى الجهات، كالجامعات، والقضاء، والنوادي الثقافية والأدبية، ومراكز البحوث العلمية، على نمط الترشيح للفائزين بالجوائز الكبرى على سبيل المثال .

وأما الانتخابات ( التصويت ) فيسند إلى منسوبي تلك الجهات، ممن يجمل المؤهلات العلمية، وتتوافر فيه الصفات اللازمة، على نمط (أسلوب الاستبانات ) مثلاً .

وليس من المهم تحديد الأشخاص, فذلك متعذر,بل يكفي معرفة الصفات ، أو الجهات فقط.

وفي ظني أن مثل هذا التنظيم المطور يحقق المقاصد الآتية:

أولاً: أنه يحقق النيابة عن الأمة, فإذا كان الولاة في واقع الأمر نواباً عن الأمة وولاة عليها, فإن من المنتظر أن تكون هذه النيابة جاءت بطريقة مقنعة للأمة, لا عن طريق الاستعلاء وفرض الذات.

والمتأمل في واقع الولاية العامة في عهد الخلافة الراشدة أنها جاءت في جملتها عن طريق الشورى والاختيار الحر.

وإذا كانت ديمقراطية الغرب تفخر بأنها (حكومة النيابة) فإن لدى الأمة المسلمة من التجارب ما يغنيها ويسعدها في دينها ودنياها, إن هي استجابت لسنن الله الكونية والاجتماعية.

ثانياً: أنه يحقق قاعدة الشورى المأمور بها شرعاً.

وإذا كانت هذه القاعدة جاءت مجملة, فقد تنوعت تطبيقاتها قديماً وحديثاً, وقد حققت أهدافها في عهد النبوة, وعهد الخلافة الراشدة, وعهود أخرى, فالرسول - صلى الله عليه وسلم - استشار في أموره الخاصة كقضية الإفك, وفي أمور المسلمين العامة وهي كثيرة جداً, واستشار أفراداً محدودين, كما أنه استشار عموم الصحابة, وهكذا في العصر الراشدي, فقد اتخذت الشورى صوراً وأنماطاً مختلفة.

ولا يعرف أن نازلة جديدة أو أمراً يهم الأمة, اتخذ فيه الخليفة الرأي قبل المشاورة والحوار العميق.

ثالثاً: أن هذا الأسلوب يثبت براءة السلطة الحاكمة من الاستبداد أو ما يعرف بالدكتاتورية التي طالما أدين بها كثير من الأنظمة السياسية قديماً وحديثاً.

رابعاً: أنه يحقق قاعدة"أنزلوا الناس منازلهم"فالعلماء والقضاة وذوو الفكر النير في الأمة ينبغي أن يكون لهم الصدارة في منازل الشرف, وأن يؤخذ رأيهم في كل أمر ذي بال, لأنهم كالنجوم يهتدى بها في ظلمات البر والبحر, كما ورد في الحديث, ولن تفلح أمة همشت علماءها, أو أذلتهم, أو استمالتهم للدنيا, أو استغلت ضعفهم وطيبتهم للمآرب الخاصة.

خامساً: أنه يحقق مبدأ التعاون المأمور به شرعاً, ولتكون الصورة واضحة دونك هذا البيان: إن الأمة هي كالجسد, كما جاء تمثيل ذلك في الحديث الصحيح"مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم كمثل الجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالحمى والسهر"فأهل الحل والعقد يمثلون الرأس لهذا الجسد, والإمام يمثل القلب, وأجهزة الدولة تمثل الجوارح كاليد والرجل واللسان وكل هذه الأجزاء لا يغني أحدها عن الآخر, فالرأس لا يجدي شيئاً بدون القلب وسائر الأعضاء, والقلب وحده لا يعمل بدون رأس وأعضاء, والأعضاء كذلك لا يمكن أن تستغني عن الرأس والقلب, لذا لا غنى عن التعاون البناء والجاد بين عموم أجزاء الجسد, وإلا أصابه الشلل الجزئي أو الكلي, وحينه تتضاعف الأمراض ويزداد الوهن في جسم الأمة فلا تستطيع حيلة, ولا تهتدي سبيلاً.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت