فهرس الكتاب

الصفحة 5398 من 27364

وسيبقى الجواب معنا قائماً على الاحتمالات, وليس ثمة ما يسارع إلى الحسم والقطع؛ لذلك يلزم طرح السؤال التالي: ما الأساليب الممكنة أو الواقعة فعلاً في كيفية الوصول إلى الولايات؟

وإذا ما أخذنا التاريخ الإسلامي لاستقراء واقعه الإداري؛ لوجدنا أن المناصب نوعان:

الأول: الإمامة العظمى, وهذه عرف فيها: أسلوب الاختيار, كما حصل في بيعة أبي بكر, وبيعة علي بن أبي طالب, وقد لا يخلو التاريخ من نماذج أخرى مماثلة، وعرف أسلوب الترشيح من الإمام السابق, إما بتعيين ما يعرف بولي العهد, وهذا أسلوب شائع في تاريخ الإسلام السياسي, وإما بتعيين أكثر من شخص ليكون الاختيار لأهل الحل والعقد, كما حصل من فعل عمر, حيث رشح ستة من كبار الصحابة وهم: عثمان، وعلي، وطلحة، والزبير، وعبد الرحمن بن عوف، وسعد بن أبي وقاص؛ ليختاروا واحداً منهم -رضي الله عنهم-.

وعرف أسلوب آخر, وهو أن ينتصب الإنسان بنفسه, وهذا يكون عادة عند وجود المنافسات بين الزعامات، أو ضعف أهل الحل والعقد, وعرف هذا الأسلوب, بطريق الغلبة والاستيلاء.

النوع الثاني: هو الولايات الأخرى غير الإمامة العظمى, وهذه لا يعرف فيها غير أسلوب واحد ـ فيما أعلم ـ هو أسلوب التعيين من الإمام الأعظم, أو نائبه.

نعم قد يستبد صاحب القرار في الاختيار والتعيين, وقد يستشير أهل الرأي, أو أهل العلم.

ذلك في التاريخ الإسلامي, أما في غيره؛ فقد عرفت أساليب عديدة عند الأمم الأخرى, منها ما يشبه الأساليب المتقدمة والمعروفة لدى الأمة المسلمة، ومنها ما يختلف عنها.

ولعل أهم الأساليب المختلفة, وراثة الملك من منطلق ديني, كما هو شائع في بعض دول شرق آسيا, وبعض الدول الأفريقية وأمريكا الجنوبية.

وأسلوب الانتخاب الذي شاع بين دول الغرب, التي اتخذت من النظام الديمقراطي منهج حياة, وهذا مربط الفرس, فقد تميز هذا النظام بميزات موضوعية (فكرية) وإجرائية تنظيمية:

أما التميز الموضوعي فيتجلى في الآتي:

1 ـ تشريع القوانين بما تقتضيه مصالح البلاد -حسب تصورهم-، وهذا أهم وظائف البرلمان.

2 ـ استبعاد الدين -أياً كان مصدره- من واقع الحياة العامة (سياسة، وإدارة، واقتصاداً، وثقافة، واجتماعاً ... إلخ) .

لذا أصبحت القوانين دنيوية بحتة, ليس للدين أي أثر أو اعتبار فيها, اللهم إلا مجرد النظرة القائمة على المجاملة والاحترام الظاهري, أو النفاقي.

3 ـ قيام العلاقات السياسية والاجتماعية والفكرية على الحرية الفردية، وهو مبدأ ديمقراطي يعتز به الغرب الديمقراطي أيما اعتزاز, ويرى أنها مبدأ مقدس لا يساوم عليه .

وقد بالغ الغرب في تقديس هذا المبدأ, حتى جعله كالإله.

وهذه الحرية, وإن كانت مقيدة بعدم الإضرار بالآخرين، فهي مطلقة بحسب الرغبة والشهوة, أما الدين فلا سلطان له عليها، بل هي الحاكمة عليه.

وليس معنى ذلك أنها شر محض؛ بل فيها جوانب إيجابية يذكر منها:

أ ـ أنها تعطي مريد الحق والداعي إليه مساحة من الحركة والإرادة والاختيار, تجعله يعمل ويفكر في جو هادئ, ليس فيه ضوضائية المراقبة والمحاسبة أو الضغوط الفكرية والنفسية.

ب ـ أنها تشيع الصراحة والشفافية بين الحاكم والمحكوم بحيث تكون العلاقة بينهما متينة وصريحة.

هذا في جانب الميزات أو السمات الموضوعية للنظام الديمقراطي.

أما ميزاته الشكلية فتبدو في الآتي:

1 ـ التعددية الحزبية: وهي صفة ملازمة للنظام الديمقراطي, حتى عدها أهل الاختصاص إحدى الضرورات التي تقضي بها طبيعة النظام البرلماني (ينظر: القانون الدستوري والأنظمة السياسية, للدكتور / عبد الحميد متولي ص 108) .

2 ـ الانتخاب , سواء للرئيس الأعلى, أو لأعضاء البرلمان, وهذا أسلوب ملازم للنظام الديمقراطي, حتى أصبحت الحكومة النيابية (المنتخبة) مبدأ راسخاً من مبادئ الديمقراطية, ثم إن من طبيعة هذا الأسلوب أنه مؤقت بمدة محددة, كخمس سنوات مثلاً أو ثمان أو عشر، بنهايتها تنتهي مدة المنتخب (بفتح الخاء) سواء أكان رئيساً, أم عضواً في البرلمان.

ويجري الانتخاب بأساليب مختلفة, منها ما يسمى بالاقتراع العام, والاقتراع المقيد.

ويراد بالمقيد: اشتراط شروط معينة كالكفاءة وتوافر نصاب المال في الناخب.

ويراد بالعام: مالا يشترط فيه شيء من ذلك في الناخب.

ومنها الانتخاب الفردي, والانتخاب بالقائمة.

ويراد بالفردي ذلك النظام الذي تقسم فيه البلاد إلى دوائر انتخابية صغيرة, تنتخب كل دائرة نائباً واحداً.

ويراد بالانتخاب بالقائمة: تقسيم البلاد إلى دوائر انتخابية كبيرة, كل منها ينتخب عدداً معيناً من النواب لا يقل عن ثلاثة.

3 ـ فصل السلطات الثلاث بعضها عن بعض, وهي: السلطة التشريعية, والسلطة القضائية, والسلطة التنفيذية.

وهذا واحد من مبادئ الديمقراطية التي ينادي بها الغرب, ويعتز بها.

ومعروف أن السلطة التشريعية تحت قبة البرلمان، والسلطة التنفيذية تحت يد الحكومة (أي رئيس الوزراء ووزراءه) ، والسلطة القضائية تحت قبضة القضاة.

وهذه الأخيرة لها السلطة العليا في المراقبة على سائر السلطات.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت