فهرس الكتاب

الصفحة 5397 من 27364

أما الجانب المجمل في النظام السياسي ـ وهو الكثير ـ؛ فهو عموم الإجراءات التنظيمية, وأساليب التنفيذ, مما يعد تفسيراً وتفصيلاً لقواعده, كالشورى , والبيعة, والنصيحة، والعدل, والرفق, والوفاء بالعهود.

يستوي في ذلك ما ينظم شؤون الحياة داخل بلاد الإسلام, وما ينظم العلاقات الخارجية."وعلى هذا فالتعاليم المنظمة لشؤون المجتمع في كل مجالات السياسة والاقتصاد والدفاع والثقافة والتعليم والمجالات المشابهة هي تعاليم مرنة تقبل تطور الأسلوب التنفيذي لها, فهي وإن كانت ذات هدف واضح ثابت لا يتغير ولا يتبدل، إلا أن طريق تحقيق هذا الهدف ترك مرناً قابلاً للتغيير والتبديل في ضوء ظروف كل مجتمع وزمان" [الدولة وسياسة الحكم في الفقه الإسلامي ـ للدكتور أحمد الحصري 1/91 ] .

القاعدة السابعة: أن جملة التراتيب (التنظيمات) الإدارية اجتهادية, وليست توقيفية.

وآية ذلك أن التراتيب لم تكن تجري على وتيرة واحدة؛ بل كانت متغيرة من زمان إلى زمان, بل من دولة إلى أخرى, فالتراتيب في عهد الخلفاء الراشدين كانت غيرها في عهد النبوة, وغيرها في العهد الأموي, ثم العهد العباسي ... وهكذا.

ومعروف أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه هو أول من دون الدواوين, وأنه عدل عن أحكام في عدد من القضايا كان أبو بكر رضي الله عنه يراها.

وعلى هذا فسوابق تراتيب الدولة الإسلامية يؤخذ منها ما يناسب العصر وتقتضيه المصلحة, ومالا يناسب يعدل عنه إلى غيره من تراتيب أخرى.

هذه في نظري من أهم القواعد التي ينطلق منها حوارنا في موضوع الانتخابات والمشاركة فيها ـ صغتها بأسلوبي الخاص ـ وهي في زعمي محل اتفاق لدى أهل النظر والاهتمام بالنظم الإسلامية.

فإذا تقررت هذه القواعد نأتي إلى الموضوع نفسه متسائلين أولاً: هل أسلوب الانتخابات ثم المشاركة فيه يمكن أن يعد ترتيباً من الترتيبات أو التنظيمات الإدارية؟

وبصيغة أخرى: هل تولي الولايات العامة من الإمامة والقضاء وعضوية مجالس الشورى أو البرلمانات له أسلوب محدد لا يتغير؟ وما هو؟

فإذا تقررت هذه القواعد نأتي إلى الموضوع نفسه متسائلين أولاً: هل أسلوب الانتخابات ثم المشاركة فيه يمكن أن يعد ترتيباً من الترتيبات أو التنظيمات الإدارية؟

وبصيغة أخرى: هل تولي الولايات العامة من الإمامة والقضاء وعضوية مجالس الشورى أو البرلمانات له أسلوب محدد لا يتغير؟ وما هو؟

والجواب أن الوصول إلى الولايات أو استحقاقها لم يرد به نص معين, وإذا ما أخذنا الولايات منذ العهد الأول للإسلام, أي منذ وفاة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وابتداء قيام الخلافة مقام النبوة, ببيعة أبي بكر الصديق؛ فقد ذهب جمهور أهل السنة إلى أن هذه البيعة تمت باتفاق جمهور الصحابة أو أهل الحل والعقد أجمعهم, ولم تكن بنص شرعي.

والأدلة على ذلك كثيرة ومبسوطة في كتب الفقه السياسي أو السياسة الشرعية؛ بل في بعض كتب العقائد, ولعل من أقواها أن أحداً من الصحابة لم يحتج في تقديم أبي بكر بنص؛ بل قالوا: رضيك رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لديننا أفلا نرضاك لدنيانا؟!.

وكذلك قول عمر بعد أن طعن وقيل له: ألا تستخلف؟ فقال: إن أستخلف فقد استخلف من هو خير مني ـ يعني أبا بكر ـ وإن أترك فقد ترك من هو خير مني, يعني رسول الله - صلى الله عليه وسلم -.

وأما دعوى الشيعة أن النص جاء بتعيين علي بن أبي طالب -رضي الله عنه-؛ فهي دعوى عريضة, ليست أقوى من دعوى النص على أبي بكر؛ بل هي أضعف, سواء من حيث الثبوت أو الدلالة.

ورحم الله أبا بكر بن عياش (ت 193) الذي أثبت لنا هذا الموقف, قال: قال لي الرشيد: كيف استخلف أبو بكر رضي الله عنه؟ قلت: يا أمير المؤمنين, سكت الله وسكت رسوله وسكت المؤمنون؛ فقال: والله ما زدتني إلا عمى, قلت: مرض رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ثمانية أيام فدخل عليه بلال؛ فقال: مروا أبا بكر يصلي بالناس, فصلى بالناس ثمانية أيام والوحي ينزل فسكت رسول الله لسكوت الله, وسكت المؤمنون لسكوت رسول الله - صلى الله عليه وسلم -, فأعجبه ذلك وقال: بارك الله فيك. [سير أعلام النبلاء 8/506 ] .

وإذا كان لم يرد نص بتحديد شخص بعينه أو بتحديد أسرة بعينها؛ فإنه يبقى الأمر مطلقاً غير مقيد.

نعم, ورد أن الأئمة من قريش, ولكن هذا بابه واسع, فدائرة القرشية أوسع من دائرة الشخص أو الأسرة، هذا من وجه, ومن وجه آخر؛ فإنه مقيد بحسب الإمكان, أي إذا وجد المؤهل منهم.

ومن وجه ثالث؛ فهذا مقيد بالإمامة الكبرى فقط, دون سائر الولايات الأخرى عامها وخاصها.

وبناء على ذلك؛ فالولايات إذاً غير مرتبطة بأشخاص ولا بأسر معينة, وهي من ثم لا تورث؛ بل هي مطلقة, فمن توافرت فيه الشروط فهو أحق بها, فلا تجوز المحاباة بها.

ففي الحديث:"من ولى رجلاً على عصابة, وهو يجد في تلك العصابة من هو أرضى لله منه؛ فقد خان الله ورسوله والمؤمنين" [رواه الحاكم في مستدركه] .

وإلى هنا نأتي إلى بيت القصيد في السؤال المتقدم؛ كيف الوصول إلى الولايات والمناصب؟

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت