والأمر الذي يخشاه توينبي ويحذر من عودته هو الوحدة الإسلامية وعودة الإسلام إلى الساحة مرة أخرى كما كان عليه من قبل ليلعب دوره الرئيسي في القضاء على الفساد الناتج عن امتداد الغزو الغربي الذي يرافقه التفرقة العنصرية، والاختلال الطبقي وغيرها من مفاسد الحضارة الغربية، وفي ذلك يقول توينبي: (أما في المستقبل البعيد: فيمكن التكهن باحتمال قيام الإسلام بالإسهام في أوجه جديدة للدين، وهذه الاحتمالات المتعددة تتوقف على الوجهة السعيدة التي سيتمخض عنها وضع الإنسانية الحاضر) (ص 68) .
ثم يقول: (صحيح أن هذه الإمكانية المدمرة للإسلام لا تظهر الآن حتمية الوقوع؛ لأن الكلمة المؤثرة(الوحدة الإسلامية) ..
بدأت مؤخرًا تفقد سيطرتها التي كانت على عقول المسلمين)، ثم يقول: (فحركة الوحدة الإسلامية نفسانيًا هي الدعوة المثلى التي تسري في عروق المسلمين المتحمسين أمثال الوهابيين والسنوسيين، إلا أن هذا الاستعداد النفسي للوحدة يصطدم بعقوبات تكنيكية) (ص 68) .
ثم يعبر عن خشيته من عودة الوحدة الإسلامية بعبارات واضحة جلية، وهذا ما يختم به محاضرته فيقول: (صحيح أن الوحدة الإسلامية نائمة، ولكن يجب أن نضع في حسابنا أن النائم قد يستيقظ، إذا ثارت البروليتاريا العالمية للعالم المتغرب ضد السيطرة الغربية، ونادت بزعامة معادية للغرب، فقد يكون لهذا العداء نتائج نفسانية لا حصر لها في إيقاظ الروح النضالية للإسلام، حتى ولو أنها نامت نومة أهل الكهف، إذ يمكن لهذا النداء أن يوقظ أصداء التاريخ البطولي للإسلام.
هناك مناسبتان تاريخيتان كان الإسلام فيهما رمز سمو المجتمع الشرقي في انتصاره على الدخيل الغربي، ففي عهد الخلفاء الراشدين بعد الرسول صلى الله عليه وسلم: (حرر الإسلام سورية ومصر من السيطرة اليونانية التي أثقلت كاهلهما مدة ألف عام تقريبًا) ، وفي عهد (نور الدين) و (صلاح الدين) و (المماليك) : احتفظ الإسلام بقلعته أمام هجمات الصليبيين والمغول، فإذا سبب الوضع الدولي الآن حربًا عنصرية، يمكن للإسلام أن يتحرك ليلعب دوره التاريخي مرة أخرى، وأرجو ألا يتحقق ذلك (ص 73) .
أخي القارئ الكريم: هذا هو كلام المؤرخ الأوربي الشهير الذي يُعتبر أسوة لأبناء جلدته ومن شاكلهم في الحقد على هذا الدين وعلى تلك الحركات الأصيلة، وهذه الكلمات التي يختم بها محاضرته: (أرجو ألا يتحقق ذلك) ! ! يرجو ألا تعود الوحدة الإسلامية؛ لتقف الأمة في مكانها الرائد، ولتقوم بدورها المطلوب في إنقاذ الشعوب وتحريرها من سيطرة الطواغيت والأنظمة الجاهلية بكل مسمياتها، وإعادتها إلى نظام توحيد الألوهية الذي دعت إليه جميع الرسل، وتنفيذ قول الله - عز وجل: (إنِ الحُكْمُ إلاَّ لِلَّهِ) .
إن مما يغيظ الحاقدين على الإسلام ويثير حنقهم: تلك الحركات التي يتهمها بالتعصب والحماس...
الوهابية والسنوسية وقبائل الباتان، تلك الحركات التي يحكم توينبي بأن نهايتها الموت المحقق والفناء الكامل، لأنها تواجه الحضارة الغربية.
ولقد خيب الله - تعالى -ظن توينبي وأمثاله؛ إذ ظنوا أنهم سيقضون على الأصوات التي ارتفعت تنادي بالعودة إلى شرع الله والأيادي التي حملت السلام لتذود عن دين الله.
ظن أن ما فعله محمد علي باشا بإشارة من الإنكليز والفرنسيين في ضرب الحركة الوهابية في عقر دارها، ظن أنها ستنتهي إلى الأبد، وهيهات له ذلك، فلقد تأثر بأفكار محمد بن عبد الوهاب معظم الحركات الإسلامية في شرق العالم وغربه.
وظن أن ما فعله الملك (أمان الله) مع قبائل الباتان في قيامه ضدهم وتعاونه مع الانكليز للقضاء عليهم في أفغانستان ظن أنهم قد قضي عليهم وانتهوا، فكيف لو اطلع توينبي ورأي ما يحدث بأفغانستان على أيدي من يصفهم بالمتعصبين المتحمسين، من مواجهتهم لأظلم وأشرس وأشد طواغيت الأرض من الشيوعيين، لقد أرغم هؤلاء المتحمسون أنف الروس والشيوعيين وأذاقوهم كؤوس المنون وبالرغم من كل ما تعده من مكر الليل والنهار.
ونسأل الله أن يجعل كيد الخائنين في نحورهم، فما كان الروس يتوقعون أن تحدث لهم مثل هذه المذلة باحتلالهم لأفغانستان، الذي كانوا يظنونه: أن احتلال أفغانستان كسب مهم لروسيا وخطوة عملية بضمهم أفغانستان للإمبراطورية الشيوعية، وذلك لكثرة خيرات أفغانستان وثرواتها، ولكن (رُب حتف امرئ فيما تمناه) .
إنني أهيب بالمخلصين من دعاة الإسلام وحملة رايته بشتى أصنافهم، شيبًا وشبابًا، علماء وطلاب علم، وأدعوهم إلى أن يتمثلوا موقف الخليفة الراشد مجدد القرن الأول عمر بن العزيز -رضي الله عنه- في كل ما يغيظ أعداء الله وأعداء هذا الدين [1] .