وأية خدمة قام بها مصطفى كمال بتغيير الحروف العربية ووضع بدلها الحروف اللاتينية! ! ولكن العجب ينقضي عندما يعلم المسلم: أن هذا هو منطق الحاقدين على الإسلام وأهله، خدمته هي القضاء عليه! والكلام لا يحتاج إلى طول تعليق.
وأما المحاضرة الثانية والتي عنوانها: (الإسلام والغرب والمستقبل) فلا أريد التعرض لكل ما ذكره توينبي فيها، بل أكتفي بالتركيز على موضع الشاهد من القصة التي أوردتها في البداية.
بعد غزو الغرب للعالم الإسلامي، فإنه انقسم إلى قسمين شأنه في ذلك شأن كل المجتمعات المغلوبة التي تواجه مجتمعًا آخر متحضرًا، وفي هذا يقول توينبي كما هو في النص المترجم: (كلما واجه مجتمع متحضر مثل هذا الموقف - أي: الغزو - أمام مجتمع متفوق آخر نجد طريقين لا ثالث لهما للرد على هذا التحدي فريق أصبح متمسكًا متحمسًا متعصبًا(ZEALOT) وفريق ثاني أصبح مقلدًا متكيفًا (HE r ODION) ، ويعرض توينبي الفريق الأول (المتحمس) بأنه الإنسان الذي يتهرب من الشيء المجهول ويلجأ للشيء العادي المتعارف عليه.
ويذكر أن ممثلي هذا الطريق - المتحمس - في العالم الإسلامي المعاصر: (هم تلك الحركات السلفية أمثال السنوسية في شمال أفريقيا، والوهابية في أواسط شبه جزيرة العرب) .
ويعتبر أن من الخصائص الملحوظة عند هؤلاء المتحمسين هي أن معاقلهم تقع في مناطق مجدبة قليلة السكان، بعيدة عن الطرق الرئيسية الموصلة إلى العالم الحديث.
ثم يذكر أيضًا من الأمثلة على المتحمسين في العالم الإسلامي: الإمام (يحيى حميد الدين) في صنعاء، ومن الأمثلة على المقلدين التي يذكرها توينبي: محمد على باشا - في مصر، ومصطفى كمال أتاتورك.
وكما ذكرت فيما سبق من حرصي على نقل مقاطع مترجمة حرفيًا من أقوال توينبي ليكون القارئ على بينة من نظرة الحقد التي ينظرها الصليبيون إلى العالم الإسلامي، وما تخفي صدورهم أكبر تجاه الحركات الإسلامية الأصيلة، حيث يصفها بالتعصب والتحمس وعدم استعمال العقل والتفكير...
وفي حالة حصول المواجهة بين الغرب وأولئك المتحمسين المتعصبين على حد تعبيره يقول: (ولكن المتحمس المسلح ببندقية أوتوماتيكية لم يعد ذلك المتحمس المتصوف التقي، لأنه باستعماله لأسلحة الغرب قد وطئ أرضًا دنسة، ولاشك أنه إذا فكر في الأمر -وقليلًا ما يفعل ذلك لأن سلوكه في الأساس غريزي غير عقلاني- يقول في نفسه: لن أتعدى الحدود التي وصلتها في تعاملي مع الغرب) .
وفي مقطع آخر يقارن توينبي بين المقلدين والمتحمسين، فيتحامل على المتحمسين ويلمز بهم وينتقصهم، فيقول:(والواقع أن حركة المقلدين المسلمين هي أكثر فعالية وتأثيرًا من حركة المتحمسين...
لهذا يلجأ المتحمس إلى الماضي كالنعامة التي تحاول وأد رأسها في الرمال لتختبئ من ملاحقيها، أما المقلد فيواجه الحاضر بشجاعة، ويحاول اكتشاف المستقبل، فالمتحمس تسيره الغريزة، والمقلد يسيره العقل).
ثم تعرض مرة أخرى إلى الحديث عن الثورة التي حصلت في تركيا- أي: في عهد مصطفى كمال -، وأن ثورته لم تقتصر على تغيير الدستور، فيقول:"قامت الجمهورية التركية الوليدة بخلع المدافع عن الدين الإسلامي - الخليفة -، وألغت منصبه، وجردت رجال الدين المسلمين، وحلت منظماتهم، وأزالت الحجاب عن رأس المرأة واستنكرت كل ما يرمز إليه الحجاب، وأجبرت الرجال على ارتداء القبعات التي تمنع لابسيها من أداء شعائر الصلاة الإسلامية التقليدية..."
وكنست الشريعة الإسلامية بأكملها"."
كل هذه الأعمال التي قام بها مصطفى كمال تعتبر إصلاحية، وخدمة للعالم الإسلامي في نظر توينبي! ! ومهما حصل من أخطاء في طريقة التنفيذ فلهم عذرهم المقبول حسب رأيه، وفي محاولة تبريره لتلك الجرائم يقول توينبي: (ولقد قامت ثورة المقلدين الأتراك بهذه الروح فواجهت عقبات ضخمة ومعاكسات شديدة، حتى أن أي مراقب متفائل يضع في حسابه احتمالات قيام أخطاء فاحشة بل حتى جرائم، ويرجو للثورة النجاح في القيام بأعبائها الهائلة) .
ومن الشعوب التي يعتبرها أيضًا من المتحمسين المتعصبين: قبائل الباتان التي قامت ضد الطاغوت الذي كان يحكم أفغانستان الملك (أمان الله) ، ثم يتحدث عن نوعية الاصطدامات التي تقع بين المتحمسين من المسلمين والمقلدين الذين ينتسبون للإسلام ظاهرًا ويعادونه خفية وباطنًا، بل ربما تنكروا للإسلام ظاهرًا وباطنًا، يقول: (ويمكن أن نلاحظ في سياق بحثنا أن أي اصطدام وقع ويقع بين المتحمسين وأبناء جلدتهم من المقلدين المسلمين، يلقى المتحمسون فيه عناء شديدًا، ويعاملهم المقلدون معاملة قاسية لا يتجاسر الغربيون على القيام بها، فالغربيون يعذبون المتحمسين بالسياط، أما المقلدون المسلمون فيعذبونهم بالعقارب) .