ونذكر حينئذ إمام الإسلام، وشيخه في زمنه محمد بن ابراهيم آل الشيخ، فقد قذف بقذيفة مدمرة على حصنهم وهي رسالته (تحكيم القوانين) في ناحية الحكم والتشريع من (اللادينية) ، ولا عجب فانه من آل الشيخ (المجدد محمد بن عبد الوهاب) الذي جعل شرك الطاعة (وعليه يدور مبدأ العلمنة) أحد أنواع الشرك الأربعة الرئيسة التي يتخذ فيها شريك مع الله - تعالى -، وعد الطواغيت البشرية أربعة فجعل اثنين منها في شرك (الحكم بغير ما أنزل الله - تعالى -) ، فأنجبت مدرسته السلفية مثل الإمام ابن إبراهيم - رحمه الله -.
وذكرنا تلميذه العلامة عبد العزيز بن باز - رحمه الله -، فقد قذفهم برسالته في (نقد القومية العربية) في ناحية فكرية أخرى كانت في ذلك الزمن من أشد أركان العلمنة، وأعظمها ضررا على الدين لنقضها مبدأ الولاء فيه، ومن هذه المدرسة نذكر جبالا علا شرفاتها رجال عظام، ولهم مؤلفات كثيرة، ومواقف شجاعة، وفي مبارزة الإقران لهم صولات مذكورة مشهورة، و بعضهم يدخل في القسم الأول، وبعضهم في القسم الثاني.
وإذا دخلنا خطوط المعركة الأمامية، حيث يحمي الوطيس في جوف أرض الحرب، رأينا حينئذ أبطال الإسلام يقاتلون في سبيله كالليوث الحوارد، تخلع القلوب زمجرتها، وتذهب بالأبصار صولتها، وسنأتي على ذكرهم في حينه.
وشتان بين الفريقين، وما أبعد التفاوت بين الصفين، صف العلمانية الضالة، وصف أنصار الشريعة الإلهية:
شتان بين مذاهب أوصى بها *** بعض لبعض أول للثاني
وشريعة فطر الإله عباده *** حقا عليها ما هما عدلان
ولم تقذف اللادينية بكتاب يشوه الإسلام، و يشكك في مُحكماته العظام، إلا ورده دعاة الإسلام، وفندوا ما فيه وزيفوا باطلهم، وقذفوهم بالحق الذي يزهق الباطل، فيندحر صاغرا ذليلا:
خطة الحرب العلمانية اللادينية على الأمة الإسلامية:
وكانت حرب العلمانية على الإسلام على خمسة محاور:
* الأول: ضرب وحدة المسلمين، بالفكر القومي والانتماءات الوطنية.
* الثاني: ضرب الشريعة الإسلامية في الحكم بالقوانين الطاغوتية.
* الثالث: ضرب الثقافة الإسلامية، تراث الأمة الذي ينبني في الأصل على الوحي المحفوظ، وبه تتميز عن جميع الثقافات الأرضية، بالثقافات والفلسفات الملحدة المستورده.
* الرابع: ضرب البنية الاجتماعية الإسلامية بافساد المرأة فالأسرة فتقويض معالم المجتمع الإسلامي، وذلك بغرس أخلاق المجتمعات العلمانية في النسيج الاجتماعي للأمة.
*الخامس: ضرب مفهوم الجهاد، وتصويره بأنه إرهاب وتطرف وعداوة للإنسانية والسلام، وأنه ضد التعايش والتفاهم بين الحضارات
في الوقت الذي يستميت أعداء الأمة، لإبقاء المسلمين في حالة تخلف عسكري، ويعدون كل العدة لغصب حقوق الشعوب الإسلامية بالقوة العسكرية.
فإذا تفككت هذه الأركان الإسلامية عبر هذه المحاور، وتقوض البنيان، ابتلعت الحضارة التي ينتمي إليها العلماني المحارب، حضارة الإسلام وهيمنت عليها، وألحقت الهزيمة بالإسلام.
هذه هي خطة الحرب، وهذه أمنيتيهم
منّتك والله المحال النفس إن طمعت بذا وخدعت بالشيطان
وتحركت جيوشهم تقذف بالكتب والمجلات والرسائل والصحف والمؤلفات على حصون الإسلام، وتمدها مدفعية من الفنون والسينما والمجون، تزين الخلاعة وتقبح الطاعة، ويغطيها سلاح الجو من سلطة دول قامت على مبادئ العلمنة وفرضها بالقوة على شعوب الأمة، وغنى أدباؤهم وشعراؤهم أهازيج الحرب، العقاد والحكيم ومن معهما، فنجيب محفوظ وأنيس منصور ومن نحا نحوهما، وكانوا في حربهم شر مقاتلة، لا يرقبون في مؤمن إلا ولا ذمة، ولا يقيمون لذي عهد عهده، ولا يحترمون حرمات الدين، ولا يقدسون مقدساته.
نسخوا شريعة الله جهارا نهارا، وحكموا شريعة الطاغوت في كل شيء إلا قليلا، وقدموا في المناهج الثقافية، والتربوية، والتعليمية والإعلامية، والسياسية، والاقتصادية، والاجتماعية، والقضاء بين الناس، قدموا مناهج أكابر الكفر من فلاسفة وقادة وحكام، وسخروا من حدود الله - تعالى -، وشريعته، وتعدد الزوجات، والحجاب والعفة، وصار العهر تحررا، واختلاط المرأة بالأجانب، وارتكاب الفواحش مدنية وعصرنة، وصارت المرأة التي يكون عرضها وشرفها أهون مبذول، نجمة في السماء وحاملة رسالة الفن إلى العلياء.
وتطاول بعضهم على القرآن فشكك فيه، ومقام النبوة فلمز وغمز، لوّح، أو تجرأ فصرّح.
وصار المرتد مفكرا متحررا ورائدا إصلاحيا متنورا، وفي الوقت الذي حاربوا فيه حد الردة وسخروا منه، أقاموا القتل والتنكيل والتعذيب وسفكوا آلاف الدماء البريئة بشبهة الانتماء إلى جماعة للدعوة إلى الإسلام، أو لأسباب وآراء سياسية.
وأقاموا للناس أصناما بشرية ينفخون فيها، ويسخرون كل الطاقات، والقوى، والإعلام المزيف، ليضخمها لتشغل مكان ألوهية الله - تعالى -في قلوب الناس، يلهجون بحمد هذه الشخصيات البشرية الوثنية، ويرتلون بذكرها، ويحشدون لها الحشود المسبحه باسمها، لتموت في سبيلها.
وأخرجوا الناس من عبودية الله - تعالى -إلى عبودية شياطينهم، واستهزءوا بالمتبتل في دين الله - تعالى -، والمتمسك بسنة النبي صلى الله عليه وسلم في هديه، وسمته، وأخلاقه.