وهي كذلك ليست ذات عمق وتوغل في النواحي الفكرية والفلسفية في المدرسة التي تتأثر بها، وليس لأكثرهم إن لم يكن كلهم، إضافات أو حتى تحليل نقدي ذي قيمة فلسفية إن كانت الفلسفة لها قيمة حقيقية والحق عن هذا بمعزل، وهم كتاب صحفيون في الغالب أكثر من كونهم مفكرين إلا النفر اليسير جدا يعدون على أصابع اليد الواحدة، مع أنهم كذلك ليسوا مفكرين، لانهم لو كانوا يفكرون بطريقة صحيحة، لما عدلوا عن الحق الذي جاء به الإسلام.
هؤلاء كلهم (باستثناء من أشرنا إلى استثناءه) وتلك السلسلة من المفكرين بأسانيدها التي ترجع إلى أول من أعلن (العلمنة) صنم الجاهلية المعاصرة، وأول من استجاب لداعيها فسجد لهذا الصنم من دون الله - تعالى -متخذا ذلك الصنم ربا وشريكا مع الله في طاعته واتباع شريعته والتحاكم إليه وحده.
ثم تنحدر هذه السلسلة إلى من نعيش معهم الصراع اليوم على جميع الأصعدة، في صناعة العقل العربي، وفي التأثير في واقع العالم العربي، في الإعلام، والتعليم، والتشريع، والفكر، والثقافة، والحكم، والدولة، وحتى الفن، يعيش السلفيون (بالنسبة الشرعية الأصولية لا الحزبية) الصراع معهم على هذه المستويات من أقصى الشرق إلى أقصى الغرب في بلادنا العربية.
هؤلاء يشكلون بقضهم وقضيضهم، جيش الجاهلية المعاصرة وسدنة صنمها (العلمانية اللادينية) ، وكهنة معبدها الأعظم (الغرب) بعد سقوط المعبد الملحد الآخر في الشرق.
وهم المسؤولون بعد تأسيس دولنا وأغلب حكوماتنا العربية على هذا المبدأ (العلمانية) ، هم المسؤولون واقعا، وعقلا، ومنطقا، عن كل أزماتنا التي نعيشها الآن، لانهم هم من يقبض على صولجان الدولة، ويأبى أن يتزحزح عنها، حتى ولو سخطته الشعوب واضطر إلى سحقها، فأمر الأمة بأيديهم، وهم أوردوها إلى ما آلت إليه أحوالها من الضعف والهوان، والذل، والتفكك.
الجيش الإسلامي في مقابل عصابة اللادينية:
ويقابل هذه الجيش اللاديني، الجيش الإسلامي العظيم بعلمائه ومفكريه، وقادته، ومجاهديه، وفصائل اليقظة الإسلامية المعاصرة، يحتشدون ليقاتلوا في سبيل الله، ويغزون جيش الجاهلية التي تقاتل حول صنمها، تقاتل في سبيل الطاغوت، والمعركة اليوم معركة الكلمة والقول والقلم، لكن لكل حرب ميدانها، ولكل ميدان زمانه.
وقد وقف في وجه مد اللادينية العارم على الأمة، ورثة الأنبياء من رجال العلم وقادة الإسلام ودعاة الهدى، وكانوا قسمين:
القسم الأول:
لم يصطدموا بهذا المد اصطداما مباشرا، غير أنهم قاموا بحماية دين الأمة بتجديده فيها والدعوة إليه، وتعليمه للناس، وتجنيد الأجيال لهذا الدين بغرس مبادئه في نفوسهم.
فهم بمنزلة خطوط الإمداد البشري، والدعم المعنوي للمقاتلة في الصفوف الأمامية، وكل من يدعوا الى هذا الدين ويسهم في الإصلاح، ويغرس مبادئ الإيمان في نفس منفوسة من أفراد الأمة، فهو أحد جنود هذا القسم، بحسب ما أوتي من علم، ووفق في الاصلاح، والدعوة، والتعليم، وفوق كل ذي علم عليم.
القسم الثاني:
من ابتلي بالصدام المباشر مع موجات (العلمنة) التي انتشرت في العالم العربي، بسبب تعرض المجتمع الذي يعيش فيه لشن غارة مباشرة من هذا المد، بسبب ثقل مجتمعه في الأمة، وأهميته الاستراتيجية، مثل ما حدث في مصر منذ (1800م) ، ولهذا نجد أنها أكبر ميادين هذا الصراع في الوطن العربي، وأكثرها ازدخارا بالأحداث، وبأيام معارك الإسلام العظمي مع العلمنة، إلى يومنا هذا، وهذا على سبيل المثال لا الحصر، فقد تعرضت أكثر البلاد الإسلامية لمحاولة فرض العلمنة بصورة أو بأخرى.
وهذان القسمان ومن يدخل تحتهما من العلماء، والدعاة، والمصلحون، هم سلسلة موكب الهدي، ولئن رجع إسناد اللادينية الى كفرة أوربا، وملاحدتها وضلال اليهود والنصارى، فان إسناد الجيش الإسلامي، الذي واجه العلمنة منذ غزوها لبلاد الإسلام إلى يومنا هذا، يرجع إسناده إلى آدم - عليه السلام - أول النبيين الكرام، ثم يتسلسل عبر تاريخ الرسل والأنبياء الى محمد - عليه الصلاة والسلام -، أفضلهم وقائدهم ثم أتباعه من بعده والرجال الذين صنعوا تاريخ هذا الدين العظيم.
ويدخل جميعهم في قوله (ومن يطع الله والرسولل فأولئك مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا) ، فهؤلاء هم أهل طاعة الله المستسلمين لحكمه، وهم فريق واحد، وموكب واحد، يمتد عبر تاريخ البشرية بأسرها، وهم أولياء الله، (الله ولي الذين آمنوا يخرجهم من الظلمات إلى النور) وأولئك العلمانيون اللادينيون أتباع الشيطان وأهل طاعته ومردهم إلى حكمه وشريعته، وهو وليهم من دون الله (إنهم اتخذوا الشياطين أولياء من دون الله ويحسبون أنهم مهتدون) و (الذين آمنوا يقاتلون في سبيل الله والذين كفروا يقاتلون في سبيل الطاغوت) .
وإذا ذكروا مآثرهم المزيفة، ذكرنا بحق مآثر علماءنا في الحرب مع العلمنة في هذا العصر، فكان شأننا وشأنهم، كطلوع الشمس وانقشاع الظلمات.