"وأمام تلك الأبصار المشدوهة ، أبصار العلماء والمفكرين الأوروبيين ، ظهرت مدنية جديدة ، مدنية مهذبة راقية خفاقة بالحياة ، ذات كنوز ثقافية كانت قد ضاعت ثم أصبحت في أووربة من قبل نسيا منسيا . ولكن الذى صنعه العرب كان أكثر من بعث لعلوم اليونان القديمة .. لقد خلقوا لأنفسهم عالما علميا جديدا تمام الجدة .. لقد وجدوا طرائق جديدة للبحث وعملوا على تحسينها ، ثم حملوا هذا كله بوسائط مختلفة إلى الغرب . ولسنا نبالغ إذا قلنا إن العصر العلمى الحديث الذى نعيش فيه لم يدشن في مدن أوروبا النصرانية ، ولكن في المراكز الإسلامية: في دمشق وبغداد والقاهرة وقرطبة".
وتعلمت أوروبا كل العلم الذى وجدته عند المسلمين ، كما أخذت كثيرا من الأصول الحضارية التى وجدتها عندهم" (1) "ولكنها لأمر رفضت أن تأخذ الإسلام ، رغم السماحة الهائلة التى لمسها المسيحيون من المسلمين في الأندلس ! وارتدت من جاهلية الدين الكنسى المحرف إلى جاهلية ما قبل ذلك الدين ، الجاهلية الإغريقية الرومانية G r eco صلى الله عليه وسلمoman لتنشئ على أساسها جاهلية جديدة متقدمة كل التقدم في العلم والتكنولوجيا (على أساس العلم الذى أخذته من المسلمين ، والمنهج التجريبى في البحث العلمى الذى استمدته منهم) ومنتكسة أشد الانتكاس فيما عدا ذلك من جوانب الحياة ..
من الإغريق أخذت عبادة العقل وعبادة الجسد في صورة جمال حسى .
ومن الرومان أخذت عبادة الجسد في صورة متاع حسى ، وتزيين الحياة الدنيا بكل وسائل العمارة المادية إلى أن يستغرق الإنسان في المتاع وينسى"القيم"التى تكون الإنسان . كما أخذت شهوة التوسع الحربى واستعباد الأمم الضعيفة لحساب الدولة"الأم"فى صورة إمبراطوريات .
والمهم - بالنسبة لبحثنا الحاضر - أنها بدأت تنبذ الدين !
قامت النهضة على أسس معادية للدين من أول لحظة .
قامت على أصول"بشرية"بدلا من الأصول الدينية أو الإلهية كما كانت تصورها لهم الكنيسة .
كان الدين الذى قدمته لهم الكنيسة على أنه الدين الإلهى دينا أخرويا لا يقيم وزنا للحياة الدنيا ، بل يحتقرها ويزدريها ويدعو إلى إهمالها وعدم الالتفات إليها في سبيل الحصول على"الخلاص"، خلاص الروح ، الذى لا يمكن الوصول إليه إلا بالتجرد من متاع الأرض ، والاستعلاء على مطالب الجسد ، والتطلع إلى ملكوت الرب الذى يتحقق في الآخرة ولا سبيل إلى تحقيقه في الحياة الدنيا . ومن ثم فإن"حركة التاريخ"ومحاولة تصحيحها بتصحيح حركة المجتمع كما يقول ولفرد كانتول سميث Wilf r ed Cantwell Simth في كتاب"الإسلام في التاريخ الحديث Islam in Mode r n Histo r y"لم تكن في حساب الكنيسة المسيحية لا أيام ضعفها في القرون الأولى ولا حين أصبح لها السلطان" (2) "إنما يسعى كل إنسان إلى خلاصه الشخصى ، كالذى يسير على معبر دقيق كل عمه ألا يفقد توازنه فيقع في الهاوية ، أو كالذى يسير في الوحل كل همه أن يشمر ثيابه ويلتفت إلاى مواقع قدميه حتى لا ينزلق أو يتلطخ بالوحل ، لا يهمه أن يصحح مواضع أقدم الآخرين أو يقيهم من الانزلاق .
ومن هنا فإن هذا الدين في صورته الكنسية تلك لم يكن يسعى إلى تحسين أحوال البشر على الأرض ، أو إزالة المظالم السياسية والاجتماعية والاقتصادية التى تقع عليهم ، وإنما يدعو إلى الزهد في الحياة الدنيا برمتها ، وترك كل شئ على ما هو عليه ، لأن فترة الحياة الدنيا أقصر وأضأل وزنا من أن يحاول الإنسان تعديل أوضاعه فيها . إنما يسعى جاهدا إلى الخلاص منها دون أن يعلق بروحه شئ من الآثام . والمتاع ذاته هو من الآثام التى يحاول المتطهرون النجاة منها بالرهبنة واعتزال الحياة .
بل أكثر من ذلك: إن احتمال المشقة في الحياة الدنيا ، واحتمال ما يقع فيها من المظالم هو لون من التقرب إلى الله يساعد على الخلاص . ومن ثم دعت الكنيسة الفلاحين للرضا بالمظالم التى كانت تقع في ظل الإقطاع وعدم الثورة عليها لينالوا رضوان الله في الآخرة ، وقالت لهم:"من خدم سيدين في الحياة الدنيا خير ممن خدم سيدا واحدا"!
ومن جهة أخرى كان هذا الدين يحصر كيان الإنسان في نطاق محدود محصور أشد الحصر ، ليبرز جانب الألوهية في أكمل صورة .
ألوهية الله في ذلك الدين معناها السلبية الكاملة للإنسان ، وحصر دوره - لا في العبادة بمعناها الواسع ، أى على النحو الذى قرره الإسلام ، والذى يشمل عمارة الأرض بمقتضى المنهج الربانى - إنما في الخضوع لقدر الله القائم ، وعدم العمل على تغيير شئ من الواقع المحيط بالإنسان ، لأن محاولة التغيير - ولو إلى الأحسن - تحمل في طياتها"عدم الرضا"بالأمر الواقع ، وهو لون من التمرد على إرادة الله لا يقره ذلك الدين .
(1) ""انظر كتاب"شمس الله تشرق فوق الغرب"وانظر فصلا بعنوان"المسلمون في أسبانيا"فنونهم وصناعاتهم وما كان لهم من فضل في ثقافة أوروبا في العصر الحديث"بقلم ج . ب . ترند G. B. T r end ص 729 - 760 من الترجمة العربية لكتاب"تاريخ العالم"نشر وزارة التربية والتعليم المصرية ."