كانت سيطرة الدين الكنسى على الحياة الأوروبية في قرونها المظلمة أمرا سيئا كما قلنا - برغم سيطرة بعض الفضائل الدينية على الحياة وخاصة في الريف الأوربى - لأن ذلك الدين بما حواه من انحرافات جذرية في العقيدة من ناحية ، وفى فصل العقيدة عن الشريعة من ناحية أخرى ، وفى فساد ممثليه من رجال الدين وجهالتهم من ناحية ثالثة - كان مفسدا للحياة ومعطلا لدفعتها الحية ، كما كان مفسدا للعقول ومعطلا لها عن التفكير السليم .
لذلك كان نبذ ذلك الدين والانسلاخ منه أمرا ضروريا لأوروبا إذا أرادت أن تتقدم وتتحضر وتعيش ..
ولكن البديل الذى اتخذته أوروبا بدلا من دينها لم يكن أقل سوءا إن لم يكن أشد ، وإن كان قد أتاح لها كل العلم والتمكن المادى الذى يطمح إليه البشر على الأرض ، تحقيقا لسنة من سنن الله التى تجهلها أوروبا وتجهل حكمتها ، لأنها لا تؤمن بالله وما نزل من الوحى:
{فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ (44) } [سورة الأنعام 6/44]
نعم ! لم تكن العبودية للأحبار والرهبان من البابوات ورجال الدين أمرا صالحا للحياة ولو كانوا هم أنفسهم من الصالحين ، لأن العبودية لاتصح إلا لله وحده ، ولا تصلح الحياة إلا إذا كانت لله وحده .. فكيف وهؤلاء الأحبار والرهبان على ما كانوا عليه من الفساد والجهالة والبعد عن حقيقة الدين ؟!
{اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَاباً مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلاَّ لِيَعْبُدُوا إِلَهاً وَاحِداً لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ (31) } [سورة التوبة 9/31]
ولم يكن الدين الذى يحوى كل ذلك القدر من الأساطير ، ويحارب العلم ويحجر على الفكر ، ويفصل بين الدنيا والآخرة فيهمل الدنيا وينبذها من أجل الخلاص في الآخرة ، ويحتقر الجسد ويعذبه من أجل خلاص الروح ، ويبيح في الوقت نفسه للإقطاعيين أن يمتصوا دماء الفلاحين ويكتنزوا بها ويترفوا ويفسدوا ، ويخذل الفلاحين عن الثورة على هذا الظلم بحجة الحصول على رضوان الله وجنته في الآخرة إن رضوا بالمذلة والظلم في الحياة الدنيا .. لم يكن ذلك الدين ليسمح للحياة بالتقدم ، وهو يلفها بأغلفة سميكة من الظلام .
ويقول التاريخ - الذى تكره أوروبا الاعتراف به إلا القلة المنصفة - إن أوروبا بدأت تخرج من ظلمات قرونها الوسطى المظلمة حين احتكت بالمسلمين في مشارق الأرض ومغاربها ، سواء في الحروب الصليبية أو البعوث التى بعثتها للتعلم في مدارس المسلمين في الأندلس بصفة خاصة ، وفى صقلية وغيرها من البلاد التى نورها الإسلام .
بل تقول الروايات التاريخية إن رجال الدين المسيحى أنفسهم كانوا يتعاطون الثقافة الإسلامية في تلك المدارس ، أو فيما ينقل منها إلى اللغات الأوروبية ، وإنهم كانوا يترقون في مناصب الأكليروس بقدر ما يحصلون عليه من تلك الثقافة !""
ويقول روجر بيكون ( في القرن الثالث عشر الميلادى ) :"من أراد أن يتعلم فليتعلم العربية لأنها هى لغة العلم".
لقد وجدت أوروبا حين احتكت بالمسلمين عالما عجيبا بالنسبة إليها ، ليس فيه بابورات ولا رجال دين ! وليست فيه أسرار عقيدية يختص بعلهما فريق من الناس دون فريق .. وليس فيه"نبلاء !"يستعبدون الناس في إقطاعياتهم .. وليس فيه حجر على العقول أن تفكر ، ولا حجر على العلم أن يبحث ويجرب وينشر أبحاثه على الناس .
يقول"راندال"فى كتابه"تكوين العقل الحديث" (ترجمة جورج طعمة ج 1 ص 314 من الترجمة العربية) :
وبنوا (يقصد المسلمين ، وإن كان يستخدم لفظة"العرب"تحاشيا لذكر المسلمين !) فى القرن العاشر في أسبانيا حضارة لم يكن العلم فيها مجرد براعة فحسب ، بل كان علما طبق على الفنون والصناعات الضرورية للحياة العملية ، وعلى الإجمال كان العرب يمثلون في القرون الوسطى التفكير العلمى والحياة الصناعية العلمية اللذين تمثلهما في أذهاننا اليوم ألمانيا الحديثة"."
ويقول ليوبولد فايس (محمد أسد) فى كتابه"الإسلام على مفترق الطرق" (ترجمة عمر فروخ ص 39 - 40 من الترجمة العربي) :
"إن العصور الوسطى قد أتلفت القوى المنتجة في أوروبة .. كانت العلوم في ركود ، وكانت الخرافة سائدة ، والحياة الاجتماعية فطرية خشنة إلى حد من الصعب علينا أن نتخيله اليوم ، في ذلك الحين أخذ النفوذ الإسلامى في العالم - في بادئ الأمر بمغادرة الصليبيين إلى الشرق ، وبالجامعات الإسلامية الزاهرة في أسبانيا المسلمة في الغرب ، ثم بالصلات التجارية المتزايدة التى أنشأتها جمهوريتنا جنوة والبندقية - أخذ هذا النفوذ يقرع الأبواب الموصدة دون المدنية العربية ."