ففيه من حقائق الدين ان الله هو الذى خلق الكون كله ، وهو الذى خلق الإنسان على هذه الصورة الإنسانية وجعله عاقلا مفكرا مريدا ، وكلفه الأمانة ، وكلفه عمارة الأرض والهيمنة عليها ، وعرفه أن هناك بعثا ونشورا وحسابا وثوابا وعقابا يوم القيامة ، وأن هناك جنة ونار أبديتين يصير الناس إليهما كل بحسب عمله ، وفيه من حقائق الدين كذلك أن الله حرم القتل والسرة والزنا والربا والكذب والغش والخيانة .. وأوجب على الناس في حياتهم أخلاقيات معينة يتقيدون بها في تعاملهم بعضهم مع بعض ، وأن الله شرع الزواج وحرم علاقات الجنس خارجه ، وشرع الأسرة وأوجب صيانتها وجعل للرجل القوامة عليها .. إلى آخر ما يجرى هذا المجرى من حقائق الدين .
ولكن الدين المنزل من عند الله ليس فيه أن الله هو المسيح ابن مريم وأن الله ثالث ثلاثة ، وليس فيه أن يشرع رجال الدين ( الأحبار والرهبان ) من عند أنفسهم فيحلوا ويحرموا بغير ما أنزل الله ( كما أحلوا الخمر والخنزير وأبطلوا الختان ) وليس فيه أن يطلب رجال الدين لأنفسهم سلطانا يرهبون به الناس ويفرضون عليهم ما أحلوا هم وما حرموا من دون الله ، كما يفرضون عليهم الخضوع الكامل لأهوائهم في الوقت الذى لا يستخدمون فيه سلطانهم الرهيب في فرض شريعة الله على الأباطرة والملوك ليحكموا بها بدلا من القانون الرومانى ، ويكتفون بجعل هذه الشريعة مجرد مواعظ خلقية وروحية من شاء أن يتقيد بها تقيد ومن شاء أن يتفلت منها فلا سلطان لأحد عليه في الأرض ، بينما القانون الرومانى يعاقب المخالفون له بالقتل أو الحبس أو ما سوى ذلك م العقوبات !
وليس في الدين المنزل أن الأرض منبسطة وليست كروية ، وأن من قال بكرويتها يحرق حيا في النار !
وليس فيه أن يفرض رجال الدين لأنفسهم - لا للفقراء والمساكين - عشور أموال الناس ، ولا السخرة المجانية في أرض الكنيسة .
وليس فيه كل ما فعله رجال الدين من فضائح ومخاز ودناءات .. كصكوك الغفران والفساد الخلقى بكل أنواعه ومناصرة الكنيسة للمظالم السياسية والاقتصادية والاجتماعية الواقعة على الشعوب !
ولكن أوروبا حين أنشأت علمانيتها نبذت الدين كله ، لم تفرق بين أباطيل الكنيسة وبين حقائق الدين!
وصحيح أن الدين الكنسى - بحقائقه وأباطيله - لم يكن صالحا للحياة ، ولم يكن مقبولا عند الله:
{قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَسْتُمْ عَلَى شَيْءٍ حَتَّى تُقِيمُوا التَّوْرَاةَ وَالإِنجِيلَ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ} [سورة المائدة 5/68]
ولكن أوروبا - كما أشرنا من قبل - حين نبذت دين الكنيسة الفاسد لم تبحث عن الدين الصحيح ، الذى يصدق الحقائق ويبطل الأباطيل .
كان الدين الكنسى ذا سطوة عنيفة على كل مرافق الحياة في أوروبا في قرونها الوسطى المظلمة . وكان ذلك أمرا سيئا شديد السوء ، لا بسبب سيطرة"الدين"على الحياة كما خيل لأوروبا بغباء في جاهليتها المعاصرة ، ولكن بسب سيطرة الفساد الكامن في ذلك الدين الكنسى على كل مرافق الحياة !
ولكن نستيقن من الحقيقة في هذا الأمر ما علينا إلا أن نراجع فترة مقابلة"وموازية"من التاريخ ، كان فيها الدين الصحيح ذا سيطرة عظيمة على كل مرافق الحياة .. تلك هى الفترة الأولى من حياة المسلمين التى امتدت حوالى سبعة قرون من الزمان . . فكيف كانت ؟! كان الهدى . وكان النور . وكان العلم ، وكانت الحضارة التى عرفت أوروبا طرفا منها في الأندلس والشمال الأفريقي . وكان كل جميل من الأفكار والمشاعر وأنماط السلوك برغم كل الانحراف الذى طرأ على حياة المسلمين في تلك القرون ، سواء من جانب الحكام أو من جانب المحكومين !
فلم يكن"الدين"فى ذاته إذن هو مصدر السوء في الحياة الأوروبية في تلك الفترة ( ولنذكر أن أسبانيا - وهى جزء من أوروبا - كانت مزدهرة في نفس الوقت بتأثير الدين الصحيح ، كما كانت صقلية وغيرها من الأصقاع الأوروبية التى دخل فيها الإسلام ) إنما كان"فساد الدين"هو السبب في ذلك الظلام الذى اكتنف أوروبا في قرونها الوسطى المظلمة الحالكة السواد .
وأوروبا لا تحب أن تصدق هذه الحقيقة في جاهليتها المعاصرة - مع أنها حقيقة موضوعية بحتة يشهد بصحتها كل ما كتبه مؤرخوهم المنصفون عن الحضارة الإسلامية - لأن مجرد تصديقها معناه أنهم كانوا مخطئين في نبذه"الدين"كله بحجة فساد الدين الذى قدمته الكنيسة لهم ، وأنهم مازالوا مخطئين إلى هذه اللحظة للسبب ذاته .. وهم لا يريدون أن يرجعوا إلى الدين بأى وسيلة من وسائل الرجوع !
مرة أخرى لا تريد أن نحاسب أوروبا على انحرافاتها في مجال الدين والعقيدة ، إنما نشرح فقط خطوات ذلك الانحراف .