على أن الذى يعنينا الآن ليس هو محاسبة أوروبا على انحرافاتها في مجال الدين والعقيدة ، فالخلق صائرون إلى ربهم وهو الذى يحاسبهم:
{فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ (21) لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُسَيْطِرٍ (22) إِلاَّ مَنْ تَوَلَّى وَكَفَرَ (23) فَيُعَذِّبُهُ اللَّهُ الْعَذَابَ الأَكْبَرَ (24) إِنَّ إِلَيْنَا إِيَابَهُمْ (25) ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُمْ (26) } [سورة الغاشية 88/21-26]
ولكن الذى يعنينا هو شرح هذه الانحرافات وبيان الصورة التى حدثت عليها ، والظروف التى أحاطت بها منذ مبدئها حتى صارت إلى ما صارت إليه .
ونخطئ - من وجهة نظرنا الإسلامية - إن قلنا إن"العلمانية"حدثت فقط بعد النهضة . فالحقيقة - من وجهة النظر الإسلامية - أن الفصل بين الدين والحياة وقع مبكرا جدا في الحياة الأوروبية ، أو أنه - إن شئت الدقة - قد وقع منذ بدء اعتناق أوروبا للمسيحية ، لأن أوروبا - كما أسلفنا في التمهيد - قد تلقت المسيحية عقيدة منفصلة عن الشريعة ( بصرف النظر عما حدث في العقيدة ذاتها من تحريف على أيدى الكنيسة ) ولم تحكم الشريعة شيئا من حياة الناس في أوربا إلا ط ألحوال الشخصية"فحسب ، أى أنها لم تحكم الأحوال السياسية ولا الأحوال الاقتصادية ولا الأحوال الاجتماعية في جملتها . وهذا الوضع هو علمانية كالة من وجهة النظر الإسلامية (1) ولكن الذى تقصده أوروبا بالعمانية"Secula r ism"ليس هذا ، لأنها لم تألف الصورة الحقيقية للدين أبداء في يوم من الأيام ! إنما الذى تقصده أوروبا حين تطلق هذه الكلمة هو إبعاد ما فهمته هى من معنى الدين عن واقع الحياة ، متمثلا فى"بعض"المفاهيم الدينية ، وفى تدخل"رجال الدين"باسم الدين في السياسية والاقتصاد والاجتماع والفكر والعلم والأدب والفن .. وكل مجالات الحياة ، ثم إقامة هذا كله بعيدا عن نفوذ الكنيسة من جنة ، وبعيدا عن مفاهيم الدين كلها من جهة أخرى ، بصرف النظر عن وجود الكنيسة أو عدم وجودها ."
بعبارة أخرى نقول إن ما نبذته أوروبا حين أقامت علمانيتها لم يكن هو حقيقية الدين - فهذه كانت منبوذة من أول لحظة ! - إنما كان بقايا الدين المتناثرة في بعض مجالات الحياة الأوروبية أو في أفكار الناس ووجداناتهم فجاءت العلمانية فأقصت هذه البقايا إقصاء كاملا من الحياة ، ولم تترك منها إلا حرية من أراد أن يعتقد بوجود إله يؤدى له شعائر التعبد في أن يصنع ذلك على مسئوليته الخاصة ، وفى مقابلها حرية من أراد الإلحاد والدعوة إليه أن يصنع ذلك بسند الدولة وضماناتها !
كيف نشأت هذه العلمانية في أوروبا ؟
أى كيف أقصيت بقايا الدين من الحياة الأوروبية وصارت الحياة"لا دينية"تماما في كل مجالاتها العملية؟
نحتاج أن نتذكر أولا أنه في الوقت الذى لم يكن للدين الحقيقى وجود في أوروبا - سواء في صورة عقيدة صحيحة أو صورة شريعة حاكمة - كان هناك نفوذ ضخم جدا يمارس باسم الدين في مجال العقيدة وفى مجالات الحياة العملية كلها من قبل رجال الدين ، ويتمثل في حس الناس هناك على أنه هو"الدين"!
أى أن الصورة الواقعية للدين في أوروبا كانت تتمثل أولا في عقيدة مأخوذة من"الأناجيل"وشروحها تقول إن الله ثالث ثلاث وإن الله هو المسيح ابن مريم ،وتتمثل ثانيا في صلوات وقداسات ومواعظ واحتفالات تقام في الكنائس يوم الأحد بصفة خاصة ، وتتمثل أخيرا - وليس آخرا - في نفوذ لرجال الدين على الملوك وعلى عامة الناص ، فأما نفوذهم على الملوك فيتضمن أنهم لا يجلسون على عروشهم إلا بإذن البابا ومباركته ، ولا يتولون سلطانهم على شعوبهم إلا بتولية البابا لهم ، وإذا غضب عليهم البابا - غضبا شخصيا لا علاقة له البتة بتحكيم شريعة الله - نبذتهم شعوبهم ولم تذعن لأوامرهم ، وأما نفوذهم على عامة الناس فيتضمن أنهم لا يصبحون مسيحيين إلا بتعميد الكاهن لهم ، وليس لهم صلاة إلا بحضور الكاهن أمامهم في مكان محدد هو الكنيسة ، ولا يموتون موتا صحيحا إلا بإقامة قداس الجنازة لهم على يد الكاهن ، ولا يعتقدون إلا ما يلقنهم إياه رجال الدين من شئون العقيدة ، ولا يفكرون إلا فيما يسمح لهم رجال الدين بالتفكير فيه ، وعلى النحو الذى يسمحون لهم به ، ولا يتعلمون إلا ما يسمح لهم رجال الدين تعلمه ، ولرجال الدين فوق ذلك نفوذ على أموالهم وعلى أجسادهم وعلى أرواحهم أشرنا إلى جوانب منه من قبل.
هذا الدين - بهذه الصورة - مخالف للدين المنزل من عند الله في أكثريته .. ولكنه ليس خلوا بالمرة من حقئاق الدين ، وهذه شهادة الله فيهم:
{وَمِنْ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى أَخَذْنَا مِيثَاقَهُمْ فَنَسُوا حَظّاً مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ} [سورة المائدة 5/14]
(1) سنتحدث في هذه النقطة تفصيلا في نهاية الفصل .