فهرس الكتاب

الصفحة 4750 من 27364

(2) ""ص 30 - الطبعة الأولى ، سنة 1957 .

ومن ثم فإن فاعلية الإنسان محصورة في الطاعة للأوامر الإلهية - كما تعرضها الكنيسة بالحق أو الباطل - لا تتعداها إلى الإنشاء لأنه ، ليس للإنسان أن ينشئ شيئا من عند نفسه ، ولو كان يلتزم في هذا الإنشاء بالهدى الربانى . ومن ثم كذلك كان ثبات الأوضاع في أوروبا في العصور الوسطى لفترة طويلة من الزمان بكل ما تحمل من ألوان الفساد السياسى والاقتصادى والاجتماعى والفكرى والروحى .. على أساس أنها قدر الله الذى لا يجوز للناس تغييره ، إنما ينبغى الخضوع له والمحافظة عليه تقربا إلى الله !

هذا الدين بصورته تلك لم يكن هو الدين المنزل من عند الله ، ولم يكن - كما أسلفنا - صالحا للحياة . كان لابد من نبذه والانسلاخ منه لكى تسير دفعة الحياة في خطها الصحيح .

ولقد كان عرى مقربة من أوروبا - بل في جزء من أرضها - دين آخر يقدم المنهج الصحيح للحياة ، فلا هو دين أخروى بحت بمعنى إهمال الحياة الدنيا ، ولا هو الدين الذى يفرض السلبية الكاملة على الإنسان ، ويفرض عليه الخضوع"للأمر الواقع"وعدم التفكير في تغييره .

إنه دين يعمل للآخرة من خلال العمل في الدنيا"الدنيا مزرعة الآخرة".

ويبين أن العمل للآخرة لا يعنى إهمال الحياة الدنيا {وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الآخِرَةَ وَلا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنْ الدُّنْيَا} [سورة القصص 28/77] {قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنْ الرِّزْقِ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ} [سورة الأعراف 7/32]

وهو دين يعمل لإصلاح الحياة الدنيا بإقامة المنهج الربانى الذى يأمر بالعدل والقسط ، كما يدعو إلى الجهاد لإقامة هذا المنهج ومنع الانحراف عنه ، ذلك الانحراف الذى يؤدى إلى فساد الحياة وإلى وقوع الظلم على الناس:

{لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمْ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ (25) } [سورة الحديد 57/25]

وهو دين يجعل للإنسان إيجابية واسعة في الأرض .

فقد خلقه الله ابتداء ليكون خليفة في الأرض:

{وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً} [سورة البقرة 2/30]

ومن شأن الخلافة الهيمنة على الأرض والسيطرة عليها ، والإنشاء والتعميري فيها ، واستغلال الطاقات المذخورة في السماوات والأرض ، التى سخرها الله للإنسان من أجل عمارة الأرض ، والمشى في مناكب الأرض لاستخلاص الأرزاق المكنونة فيها والظاهرة:

{هُوَ أَنشَأَكُمْ مِنْ الأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا} [سورة هود 11/61]

{وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ جَمِيعاً مِنْهُ} [سورة الجاثية 45/13]

{هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ الأَرْضَ ذَلُولاً فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ} [سورة الملك 67/15]

بل إن المنهج الربانى ذاته يستدعى إيجابية الإنسان لتنفيذه ، فهو لا ينطبق انطباقا آليا على الأحداث والأشياء ، بل الإنسان المستبصر بالهدى الربانى هو الذى يطبقه ويجتهد بفكره ليضع تفصيلات تنفيذه ، خاصة وهو منهج حياة كامل ، يشمل الثابت والمتغير في حياة الإنسان ، فلابد أن يجتهد على الدوام ليضع للمتغير حلا مستمدا من المبادئ الثابتة في هذا المنهج .. ومن ثم يعمل الإنسان بإيجابيته الكاملة في التنفيذ ، سواء إيجابية العزيمة اللازمة لإقامة المنهج والجهاد لإقراره في الأرض ، أو إيجابية التفكير في الوسيلة المثلى لإقامته ..

بل إن قدر الله ذاته يجرى من خلال أعمال الإنسان بالخير والشر سواء:

{ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (41) } [سورة الروم 30/41]

{وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَداً مِنْ كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ (112) } [سورة النحل 16/112]

{وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنْ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنْ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ وَلَكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (96) } [سورة الأعراف 7/96]

{إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ} [سورة الرعد 13/11]

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت