فهرس الكتاب

الصفحة 4197 من 27364

المشكلة الثانية التي مازالت تعترض تأسيس المعهد هي المعايير التي سوف يتم اعتمادها في اختيار أعضاء مجلس الإدارة، ذلك أن هناك ثلاثة معايير مختلفة: معيار الانتماء السياسي، ومعيار الاشتغال الأكاديمي، ثم معيار الأصول الجهوية. ويتجه الاختيار فيما يبدو حتى الآن إلى اعتماد المعيار الأخير على أساس أن اللهجات الأمازيغية الأربع توجد في أربع مناطق من المغرب، واعتماد هذه اللهجات جميعاً داخل المعهد يدفع إلي اختيار المنتمين إليها على التساوي، وهذه المناطق هي سوس والأطلس ومنطقة الريف في الشمال والصحراء، والتي بها اللهجات الأربع: تاريفيت، وتاشلحيت وتامازيغت، والحسانية. وقد ظهرت بعد الإعلان عن المعهد عدة لوائح لجمعيات أمازيغية مختلفة تضم أسماء ترشحها هذه الجمعيات لعضوية مجلس الإدارة، وصلت إلى حد التضارب والمزايدات الشخصية والسياسية.

غير أن أخطر المشكلات التي ستجابه المشرفين على المعهد وبالخصوص عميده المعين محمد شفيق تتمثل في قضيتين جوهريتين، تشكلان معاً آلية اختبار لقدرة المعهد على تصفية مشكلة الأمازيغية في المغرب.

القضية الأولى تهم الخط الذي سيتم اعتماده في كتابة اللهجات الأمازيغية الأربع، والثانية تخص موضوع تدريس الأمازيغية في التعليم، وهما قضيتان شائكتان ليس الحسم فيهما بالأمر الهين.

خط الكتابة

تعتبر قضية الخط في كتابة الحروف الأمازيغية وتدوين ثقافتها قضية حاسمة بالنسبة للتيار الأمازيغي في المغرب، فهذا التيار يرى أن الخط ليس مسألة شكلية بل تعبير عن الهوية التي يريدها لنفسه، وهو ينطلق في البحث في هذا الموضوع من ضرورة قيام قطيعة مع اللغة العربية وحروفها، التي يعدها لغة الغازي المحتل، خصوصاً وأن اللغة العربية في أعين دعاة الأمازيغية تحيل إلى الدين الإسلامي، وهو هوية دينية مخالفة للهوية الأمازيغية التاريخية حسب اعتقادهم.

من هنا فإن مهمة المعهد ستكون صعبة، وسيؤدي اختياره لخط معين إلى إثارة خلافات ربما قد تؤدي به إلى الفشل منذ البداية. فهناك ثلاثة اختيارات: الخط العربي والخط اللاتيني، وخط تيفيناغ الذي يعتبره الأمازيغيون الخط الرسمي الأول الذي كتبت به اللهجات الأمازيغية في القرون السابقة لظهور الإسلام.

ونظراً لكون الدولة في المغرب دولة عربية مسلمة حسب الدستور، وكون اللغة العربية اللغة الرسمية للبلاد، فإن اختيار المعهد سيقع بدون أدنى شك على الخط العربي، لأن اختيار أي خط آخر سوف يعني تخلي الدولة عن سياسة التعريب التي تنهجها منذ الاستقلال، وسيوقعها في تناقض مع المبادئ الدستورية المحددة لهوية الدولة، وبالتالي مع موقفها الرافض لدسترة الأمازيغية، إذ ما دامت الدولة مستعدة للتخلي عن مبدأ التعريب وبالنسبة لجزء من المغاربة، فإن رفض الاعتراف بالأمازيغية إلى جانب العربية في الدستور سوف يصبح بدون أساس معقول، وسيمنح ذلك مشروعية أكبر للمطالبين بالدسترة، وبذلك تكون الدولة نصبت لنفسها فخاً. وعلاوة على هذا فإن اختيار غير الخط العربي، وليكن اللاتيني أو تيفيناغ، سيعني اعترافاً رسمياً بوجود هويتين لغويتين، وتشجيعاً لأي نزاعات انفصالية في المستقبل وتهديداً لوحدة المغرب.

والمشكلة القائمة اليوم هي صعوبة إقناع التيار الغالب في الحركة الأمازيغية باستعمال الخط العربي، إذ يرفض هذا التيار توظيف الخط المذكور لما يعنيه ذلك من تكريس لسياسة التعريب التي يرفضها من الأصل، ولا يتردد البعض عن نعت اللغة العربية بأنها لغة الغزاة والمحتلين!.

ومقابل رفض الخط العربي، ينقسم هذا التيار إلى اتجاهين، اتجاه يدعو إلى تبني الخط اللاتيني، واتجاه يدعو إلى بعث خط تيفيناغ، ولكل واحد أسبابه. فالاتجاه الأول يرى أن الخط اللاتيني المتمثل في اللغة الفرنسية يعطي الأمازيغيين بعداً دولياً ويوفر لهم حليفاً قوياً هو فرنسا، والقسم الأكبر من أصحاب هذا الاتجاه معروف بولائه للأوساط الثقافية والسياسية الفرنسية، وبثقافته الفرنسية، قراءة وكتابة، وقد ظهر هذا الاتجاه مع الاحتلال الفرنسي للمغرب والسياسة البربرية الشهيرة في الثلاثينيات من القرن الماضي، إذ برزت دعاوى تاريخية تقول بأن جذور البربر تعود إلى القارة الأوروبية، وأن الحضن الطبيعي لهم هو فرنسا، والفرنسية هي لغتهم الأم، وقامت المؤسسات الأكاديمية الفرنسية التي يعمل بها أمازيغيون مغاربة وجزائريون بإجراء دراسات وتجارب لغوية لتوحيد اللهجات الأمازيغية وفق الخط الفرنسي، لكن دون نجاح.

أما خط تيفيناغ الذي تقول النخبة الأمازيغية إنه أول خط رسمت به الحروف الصوتية الأمازيغية قبل الإسلام، فهو يطرح عدة مشاكل وصعوبات، أبرزها أن القلة من الأمازيغيين هي التي تعرفه اليوم، وأن عدد حروفه لا يتجاوز 24 حرفاً، وقد حاول البعض تطويره، فأوصله إلى 32 حرفاً وأوصله آخرون إلى 40 حرفاً، لكن الخلافات السياسية والحزازات الشخصية حالت دون اكتمال مشروع التطوير هذا.

تدريس الأمازيغية

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت