غير أن هناك من اعتبر المعهد محاولة من القصر لاحتواء التيار الأمازيغي وتدجينه، وتشتيت مكوناته الثقافية والسياسية المتنوعة التي ستجد نفسها بعد تنصيب المعهد وانطلاق أشغاله وإنجاز تصوراته النهائية منقسمة بين المؤيدين والمعارضين لمخططاته وطرائق عمله وكيفية تعاطيه مع المشكلة الأمازيغية، وبذلك سينتقل الصراع إلى داخل البيت الأمازيغي بعد أن كان صراعاً بين هذا الأخير والنظام. ويرى هؤلاء أن صياغة الظهير المؤسس للمعهد جاءت لتخدم الأهداف الرسمية، حيث إن قرار التأسيس يشير إلى ضرورة رفع تقرير سنوي عن أنشطة المعهد وبرامجه إلى الملك، مما يعني أن الملك يحتفظ بحقه في توجيه المعهد الوجهة التي يريدها. ويلحق القرار ميزانية المعهد بالميزانية العامة للقصر الملكي، وهو ما سيقود في نظر الرافضين والمتشككين إلى افتقار المعهد لأية استقلالية في أعماله، وقال البعض إن المعهد ليس هو ذلك الوارد في ميثاق أغادير الذي وقعته مجموعة من الجمعيات الأمازيغية في 1991، وضمنته مطالبها المختلفة ومن جملتها تأسيس معهد مستقل عن السلطة والحكومة في اختصاصاته وبرامجه، وشكل الميثاق المذكور منذ ذلك الوقت إطاراً للتحرك بالنسبة للأمازيغيين الذين تكاثرت جمعياتهم منذ ذلك التاريخ إلى الآن.
ومن الواضح أن المعهد لم يرض الكثيرين ممن كانوا يريدون الدفع بالمسألة الأمازيغية إلى مدى أبعد، خصوصاً لجهة المطالبة بالاعتراف باللغة الأمازيغية في نص الدستور المغربي بشكل صريح، جنباً إلى جنب مع اللغة العربية التي تعد اللغة الرسمية للبلاد. ويتخوف هؤلاء من أن يكون المعهد إيذاناً بإغلاق هذا الملف نهائياً، وسد الطريق على الراغبين في تسييس القضية أكثر من اللازم، وإدخال البلاد في أتون المجابهات القاتلة التي تغذيها العصبيات القومية واللغوية، كما أن هناك تياراً آخر يسعى إلى نزع الاعتراف من الدولة بإنشاء حزب سياسي أمازيغي يجمع الأمازيغيين في إطار سياسي واحد. ويدعي أنصار هذا التيار الراديكالي أن الأحزاب المغربية القائمة في الساحة السياسية وفي الحكومة والبرلمان لا تمثل الأمازيغ، وترتبط بثقافات"شرق أوسطية"أو"أندلسية"كما قال أحدهم، رغم أن هناك حزبين يعتبران نفسيهما أمازيغيين هما الحركة الوطنية الشعبية التي يتزعمها"المحجوبي أحرضان"منذ تأسيسها في الخمسينيات، والحركة الوطنية الشعبية التي يقودها"أمحند"العنصر المنشق عن الحركة الأولى في الثمانينيات، وهما معا أمازيغيان.
لكن هذا الاختيار يعتبر في نظر النظام تحدياً قوياً لا يمكن السماح به، لأن من شأنه أن يشجع الإسلاميين أكثر على الضغط لتأسيس أحزاب سياسية على أساس إسلامي، وهو ما يتفادى النظام المغربي السماح به.
ورغم أن المعهد لم ينتقل إلى طور العمل، ومازال بدون مقر رسمي، فإن هناك فئة من الأمازيغيين تفضل الانتظار والتريث في الحكم، دون أن يمنعها ذلك من طرح التساؤلات بشأن احتمالات النجاح والفشل في مهماته، خاصة وأن فتح ملف الأمازيغية ومباشرة مشكلاته ليس بالأمر السهل إذا تم الانتقال من مرحلة التنظير والشعار إلى مرحلة التنفيذ والممارسة.
مشكلات معقدة وطروحات متباينة
لقد استبق محمد شفيق الذي عينه الملك محمد السادس قبل ثلاثة أسابيع عميداً للمعهد هذه التخوفات ليعلن أن المعهد لن يقدم حلولاً نهائية للقضية الأمازيغية، وربما كانت التخوفات من الإخفاق في مهمة المعهد هي ما دفع شفيق إلى أن يطلب من الملك حسب مصادر وثيقة أن يكون عميداً مؤقتاً للمعهد لمدة عامين فقط، بدل أربع سنوات، وألا يتقاضى أجراً على مسؤوليته تلك، حتى يظهر أنه يعمل بشكل تطوعي ولا يسعى إلى جني مكاسب مادية أو سياسية، وأن يحافظ على صورته الأولى كرجل الحلول الوسط وصفته كباحث أكاديمي يخدم القضية الأمازيغية من بعيد دون أن يغوص في صراعاتها وتياراتها المتباينة.
ومنذ تعيين الملك لجنة خماسية قبل أيام للبت في تشكيلة المجلس الإداري (35 عضواً) لاحت أولى مشكلات المعهد، فهذه اللجنة تتكون من خمس شخصيات بعضهم من غير ذوي الأصول الأمازيغية، الأمر الذي جعل الأمازيغيين يقولون إن المجلس الإداري للمعهد لن يكون أمازيغياً خالصاً، وأن عدداً من أعضائه سيكون ممن يسمونه"العروبية الرسمية"أي أن المعهد في نظر هؤلاء سيكون عبارة عن خليط من الأمازيغيين والعروبيين الذين سيمثلون عائقاً أمام سيره، ولن يكون منتدى للأمازيغيين بل واجهة أخرى للتعريب.