فهرس الكتاب

الصفحة 4195 من 27364

وقد استعرض البيان برؤية تاريخية ثمانية وثمانين سنة من تاريخ المغرب وأوضاع البربر خلال هذه الحقبة، كاشفاً عما أسماه بالتهميش الذي كانوا ضحيته، ودعا إلى رفع"الحصار"عن المناطق البربرية وتنميتها اقتصادياً واجتماعياً، مع الحفاظ على خصوصياتها وجذورها، وتضمن البيان بعد جرد تاريخي طويل تسعة مطالب لحل مشكلة الأمازيغية في المغرب، تتمحور حول فتح حوار وطني في الموضوع، وإدماج الأمازيغية في الدستور كلغة رسمية إلى جانب العربية، وإعطاء الأسبقية في التنمية الاقتصادية للمناطق التي يسكنها"أمازيغون"، وفرض تعليم الأمازيغية، والكف عن تعريب الأسماء الأمازيغية للأماكن والشوارع، وجعل الإعلام في خدمة الأمازيغية.

وكان دافع محمد شفيق إلى وضع هذا البيان هو البحث عن حل وسط بين الحل السياسي والحل الثقافي اللغوي للقضية الأمازيغية، مستأنساً في نفسه القدرة على التأثير بالنظر إلى وزنه التاريخي والفكري والسياسي، وصرح بأنه يريد إيجاد إطار للعمل يشتغل بصيغة وسطى بين الاتجاهين.

غير أن البيان تحول عن وجهته الأصلية وتعرض لنوع من الاستغلال من قبل جهات الحركة الأمازيغية المتنافرة التي تجمع بين اليمين واليسار والوسط المعتدل والمتطرف، وظهرت أطروحة مغايرة تريد تحقيق كسب سياسي، مستغلة في ذلك الثقل الرمزي والمعنوي للبيان، وسعت إلى تأسيس حزب سياسي، يجعل لها موقعاً في القرار السياسي خارج القوي الحزبية الموجودة التي يتهمونها بالعروبة أو التأسلم أو النزعة المشرقية. وشهد الملف الأمازيغي تصعيداً جديداً، الأمر الذي دفع محمد شفيق إلى التواري عن الأنظار والركون إلى الصمت، حتى تم الإعلان عن إنشاء المعهد الملكي للثقافة الأمازيغية بقرار من الملك محمد السادس في شهر أكتوبر المنصرم.

المعهد الملكي: سياقه وأهدافه

ومن الواضح أن الإعلان عن إنشاء"المعهد الملكي للثقافة الأمازيغية"يرمي إلى وضع حد للنقاشات الدائرة حول ملف الأمازيغية، كما يرمي لأن يكون صيغة رسمية لحل وسط، ونوعاً من الاعتراف بمشروعية الثقافة الأمازيغية، والجماعات المشتغلة في هذا الموضوع بشكل خاص، لكن سياقه السياسي يتمثل في كونه يأتي عقب أحداث البربر في منطقة القبايل الجزائرية قبل أشهر، وما أسالته تلك الأحداث من حبر داخل المغرب، وما تركته من انعكاسات سياسية، تمثلت على الخصوص في إسراع جزء من النخبة الأمازيغية المغربية إلى التضامن مع رديفتها في الجارة الجزائر، وتنظيم وقفة احتجاجية، وتصعيد المطالبة بالترخيص للحزب السياسي الأمازيغي، والإعلان المسبق عن تنظيم مسيرة كبرى لم يتم تحديد موعدها بعد، وتهديد البعض تحويل المسيرة في حالة المنع إلى مواجهات دموية على غرار ما حدث في الجزائر، وبدا أن الأمر يتجه نحو الكارثة والتأزم، وتوريط النظام.

وقد أراد الملك أن يقدم بإنشاء المعهد إشارة قوية، حين أعلن عن ذلك في منطقة"أجدير"في الجنوب المغرب ذي القاعدة السكانية البربرية والتاريخ المشهود في المقاومة البربرية المسلحة ضد الاحتلال الفرنسي (1912 1956م ) كما أن الملك حرص على أن يكون الإعلان في حضور شخصيات دينية وسياسية وحزبية وثقافية وأمازيغية، الأمر الذي أعطى لإنشاء المعهد طابعاً رمزياً قوياً يشير إلى حصول الإجماع حوله.

وتتحدد أهداف المعهد في إدراج الأمازيغية ضمن مناهج التعليم، وتسهيل تدريسها وتعلمها وانتشارها، والحفاظ على الثقافة الأمازيغية في كافة المجالات، وتدوين كتابتها، ويعمل المعهد على النهوض بهذه الأهداف بالتشارك والتعاون مع الجهات الحكومية.

يدير المعهد مجلس إدارة وعميد يعين من طرف الملك، ويتمتع بالاستقلال الإداري والمالي، وهو يجتمع مرتين في السنة في دورة عادية، كما يمكنه عقد دورات استثنائية إذا دعت الحاجة إلى ذلك، ويرفع المعهد تقريراً سنوياً مفصلاً إلى الملك عن أنشطته المنجزة وبرامجه المستقبلية، وتم تعيين محمد شفيق عميداً له.

بين القبول والرفض والانتظار

أثار الإعلان عن إنشاء المعهد الملكي ردود فعل متعددة اختلفت من جهة لأخرى، بحسب المنطلقات والمواقع الايديولوجية والسياسية لأصحابها، وإن كانت أغلب الردود والمواقف اتجهت إلى اعتبار المعهد لبنة كبرى غير مسبوقة في سياق الاعتراف الرسمي بالأمازيغية. هكذا اعتبرت صحيفة"أكراو أمازيغ"أن قرار الملك"رفع رؤوس الأمازيغ من الوحل وزرع في قلوبهم الأمل"، وقالت إنه"عمل جريء، ولا يسع التاريخ إلا أن ينحته على أعلى وأصلب صخرة في جبال تامزغا"، بينما اعتبره آخرون خطوة مهمة في طريق رفع الحظر عن اللغة الأمازيغية، في الوقت الذي رحبت فيه جميع الأحزاب السياسية وجمعيات المجتمع المدني والشخصيات الفكرية والثقافية بالمعهد، ورأت فيه بلورة للتعددية الثقافية واللغوية التي لم تكن أبداً محل مزايدات سياسية أو إيديولوجية.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت