أما المسلك الأول: وهو افتراض صحة هذه المقولة فيدفعنا للقلق حيال مستقبل مصر، لأن مثل هذه المتاجر ستعمل على تدمير مصر من خلال آليات عملها المعتادة، فهي تسحق المنافسين، وتحتكر السوق، وتربط خطوط الإنتاج في المصانع بمتاجرها، وتعمل على تحويل أرباحها إلى الخارج، وهذا من أكثر أضرارها، وسنعرض لهذه الملامح بالتفصيل في الجانب الاقتصادي من هذا التقرير، فتحويل أرباحها إلى الخارج يعني عجزاً في ميزان المدفوعات، واستمرار التحويل يعني مزيداً من الضغط على النظام فيما يتعلق بقيمة العملة، كما يعني مزيداً من الإفقار للمجتمع، هذا فضلاً عما ستتسبب فيه من سحق المنافسين التجاريين الضعفاء والمتوسطين، بل والكبار المحليين أيضاً، وهو ما سنراه بالتفصيل في الشق الاقتصادي، هذا فضلاً عن أن انسحابها من السوق سيؤدي إلى ضرب الصناعات التي تعاقدت معها، وهو ما سيفرض على الدولة ضغطاً أكثر، وفي هذا الإطار نشير إلى أن المناخ المناسب لوجودها، كما لوجود غيرها من المؤسسات الأجنبية، هو مناخ التسوية مع إدارة الاحتلال الصهيوني.
حالة يهودية
وأما المسلك الثاني فيتمثل في الإشارة للقضية محل النظر من وجهة نظر معالجة تنظيرية تضاف للرصيد النظري الإسلامي والوطني بصفة عامة، وتتمثل في حديثنا عن"حالة اقتصادية يهودية"وهي رؤية مستمدة من تعقب تاريخ اليهود في المجتمعات التي عاشوا فيها، فاليهود في اجتماعاتهم واقتصاداتهم لم يمارسوا نشاطاً إنتاجياً، إلا في القليل النادر، وكان جل نشاطهم إما طفيلياً كالمراباة، أو النشاط الخدمي والرمزي كإدارة المصارف والمضاربة في الأوراق المالية، أو النشاط التجاري والمالي، والسيرة التاريخية لهم تشير إلى أنهم كانوا يكتنزون الأرباح إلى حساباتهم بالخارج، وكلا الأمرين باستثناء الحالة المصرفية لم يكن يعود على المجتمع بفائدة، بل كان يسهم في إضراره، ويمكن أن نقول في آثار هذه"الحالة الاقتصادية اليهودية"كل ما قلناه عن تأثير الشركات اليهودية، مع اختلافات طفيفة في حجم الإضافة بالغة الدلالة، في حجم التأثير سواء على صعيد مصر أو على صعيد العالم، حين يمتد نشاطهم إلى الحيز الإعلامي.
اقتصادياً: في هذا الإطار نود أن نتحدث عن شيئين: أولهما سينسبري كجزء من العولمة الاقتصادية، وثانيهما سينسبري في مصر.
أما عن سينسبري كجزء من عملية العولمة، ففيها نتحدث عن شقين أولهما عن حالة الهايبر ماركت، وكلمة هايبر في اللغة الإنجليزية معناها مفرط أو بإفراط، أو متجاوز، حيث قد تستخدم كلمة هايبرفيزيك بنفس معنى استخدام ميتافيزيك أي متجاوز للطبيعة المادية، وكلمة هايبر ماركت استخدمت لتصف الجيل الثالث من شركات التوزيع والتجارة، فالجيل الأول هو الجيل التقليدي المتمثل في المحال التجارية البسيطة، والجيل الثاني يتمثل في اتساع هذه المحال والمتاجر بصورة كبيرة على المستوى المحلي دون تجاوزه إلى المستوى العالمي، وهي المرحلة التي عرفت باسم السوبر ماركت غير أنه منذ الثمانينيات بدأت دراسات الاستثمار متعدد الجنسية تعرف مصطلح"هايبر ماركت"وهو مصطلح يعبر عن حالة نمو المتاجر وتضخم رؤوس أموالها إلى حد دفعها لاستيعاب السوق المحلية وتجاوزها إلى السوق الدولي، وهذا يرتبط بالعولمة من حيث كون أحد أبعاد تلك الأخيرة على الصعيد الاقتصادي يتمثل في عولمة رأس المال، أو تحرير رأس المال من قيود الدولة القومية وضوابطها، ويتحدث عنها المنظرون باعتبارها عولمة لثلاثة عناصر، هي: عولمة المستهلك، وعولمة التاجر، وعولمة المنافسة، ويدخل ما تحدثنا عنه من عولمة رأس المال في إطار الحديث هنا عن عولمة التاجر، حيث إن حرية التجارة تختلف عن عولمة التاجر، فالأولى تعين إزالة القيود أمام انتقال السلع، أما عولمة التاجر فتعني إزالة القيود أمام انتقال مؤسسات التجارة نفسها، كما أن مصدر التفرقة الآخر يتمثل في أن التجارة تعني نشاطاً داخلياً وخارجياً في آن، بينما التاجر يرتبط بالمستهلك المباشر، وهو أمر أكثر تخصصاً من التجارة بالمعنى الخارجي، وإن شئنا الدقة نستبدل عولمة الموزع بعولمة التاجر، كما أن المنافسة المقصودة في عولمة المنافسة هي منافسة التاجر المحلي لتاجر عبر قومي موجود في الخارج والداخل في آن، وهذا من قوالب العولمة، وأما عولمة المستهلك فلا تعني سوى تعامل المستهلك مع موزع عالمي بما لهذه العلاقة من دلالة استفادة المستهلك من القدرة التنافسية للتاجر العالمي.