فهرس الكتاب

الصفحة 4168 من 27364

وقد سبق للكاتب فهمي هويدي أن كتب مقالاً يحمل اسم"كوكلة العالم"في إشارة لعملية التنميط الحضاري هذه، وفي مؤتمر العولمة الذي عقد بالمغرب في أواخر 1998م ذكر أن ثمة مقولة تتردد في الغرب مفادها أن معرفة مدى استقرار منطقة ما سياسياً ولحاقها بالغرب يتوقف على معرفة ما إذا كانت ماكدونالدز قد افتتحت فيها سلسلة مطاعمها أم لا، وعن تجاهلها للخصوصية في إطار التنميط المشار إليه، نجد سينسبري وأخواتها تسحق الخصوصية ولا تتجاهلها فحسب، فعن"ماكدونالدز"و"كنتاكي"و"تكا"و"باسكن وروبنز"للحلويات و"سب واي"نجد أنها تعمل على تنميط الطعام، حيث يصير صنف الطعام واحداً في كل أنحاء العالم، متجاهلة خصوصيات اختلاف الأذواق وأصناف الطعام المحلية، أما سينسبري وأخواتها فإنها تدمر كل منافس محلي، ولذا يحاول البعض ـ من هذا المنطلق ـ الخروج بها عن نطاق اقتصادات الفرينشايز ذات الميول التوسعية غير التدميرية، ولاشك في سلامة هذا المنطق، ولكننا نميل إلى تصنيف الفرينشايز إلى مؤسسات تنميط إيجابية (تضيف ولا تهدم) ومؤسسات تنميط سلبية (تضيف وتهدم في آن واحد، حيث تضيف الجديد، وتهدم القديم) ، ولذلك قد يحلو للبعض استيعاب ماكدونالدز وأخواتها، في جانب نطاق العالمية التي تعمل على بناء حالة مشترك إنساني عامة، بينما تصنف سينسبري وأخواتها على أنها ملحق بحالة العولمة التي تتجاهل أي إضافة غير غربية، وتجتاح كل مظاهر الخصوصية الثقافية والاقتصادية والاجتماعية والسياسية التي تقابلها.

وأما عن جانب الثقافة الاستهلاكية فهو جانب أصيل، أو بالتعبير الأكاديمي، جانب هيكلي يتعلق بطبيعة المؤسسة التي نتحدث عنها، فهي مؤسسة تسويق وتوزيع سلع استهلاكية، ومن الطبيعي أن يكون هدفها تعميق ثقافة الاستهلاك في مقابل ثقافة الادخار، أو ثقافة الإنتاج، وهاتين الأخيرتين وجهان لعملة واحدة وفق المنظور الإسلامي مع توافر الاشتراطات الأخرى، ويحاول الفكر الليبرالي أن يقصي قيمة الإنتاج ليحل محلها قيمة الاستثمار، لتصبح هي الوجه الآخر للادخار، ولكن ليس كل الاستثمار إنتاجاً، فبعض الاستثمار استهلاكي، وبعض الاستثمار ذو أغراض اقتصادية مركزية كالتعامل في الأوراق المالية، وتتفادى نظريات التنمية الاقتصادية العالمثالثية ذات التوجه الليبرالي الحديث عن النشاط الإنتاجي إلا في إطار التعاون مع الشركات متعدية الجنسية، باعتبارها الضامن لعدم اجتياح معايير التجارة الدولية لصناعتنا، وذلك باستثمارات قليلة لا يمكن اعتبارها التيار الأساسي في هذه النظريات.

ومن هنا يتعمق الطابع الاستهلاكي في المجتمع، وهو من الخطورة بحيث يجب الالتفات إليه بوعي، وقد كان التيار الإسلامي أول من لفت الانتباه للثقافة الاستهلاكية باعتبارها أحد مظاهر الغزو الفكري، وتحاول الحكومة المصرية في هذه الآونة حفز التصدير ليقينها بسلامة هذه الفكرة، فهي ـ أي فكرة ـ من إضافات التيار الإسلامي لرصيد الفكر القومي.

سياسياً: فيما يتعلق بسينسبري سياسياً لم نجد سوى إشارة واحدة في مصادر المعلومات التي وجدناها حول هذه الشركة تشير إلى أن ثمة تأكيدات بسيطرة اليهود على رأس مالها، وهذه الإشارة جاءت في صورة مانشيت في صحيفة"الأسبوع"، ولم يتضمن تقرير الصحيفة أي معلومة عن كونها محل سيطرة اليهود، أي كانت الإشارة في العنوان دون المتن، ولم تشر أي مصادر أخرى لقضية علاقة اليهود بسينسبري، وصحيفة الأهالي اليسارية في عدد 8- 3- 2000م، ومن هنا يصعب على الباحث المدقق التعويل على مثل هذه الإشارة، بالإضافة إلى أن المصادر الغربية التقليدية للمعلومات لن تحاول الإشارة لصلة الدين بالاستثمار، وفي إطار التبعية المعلوماتية يصعب الجزم بهذا لأن الوسائل المعلوماتية المصرية لن تجد ما تقوله في هذا الصدد سوى الإشاعات، ما لم تكن ثمة جهة لديها معلومات ذات درجة مقبولة من التوكيد تمكن من بناء مقولات، علمية وسياسية، في هذا الإطار.

وحيال قضية ندرة المعلومات هذه لا يكون أمامنا سوى مسلكين للتصرف حيالها، أولهما افتراض صحة هذه المقولة، وثانيهما الانصراف عن الإشاعة لتقرير مبدأ نظري يعالج هذه المشكلة وفق الرؤية التاريخية، ومنها ما يتعلق بتاريخ اليهود القديم، وحتى المعاصر.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت