وأما الشق الثاني من سينسبري كجزء من العولمة فهو يعبر عن حالة خاصة من حالات المنافسة التي فيها يواجه رأس المال المحلي برأس المال العالمي، وتكون المواجهة غير عادلة حين لا توجد أرضية قانونية تحمي رأس المال المحلي من الاحتكار والإغراق، والمشكلة في حالة مصر أن هذه الأرضية القانونية غير متوافرة حالياً، وحتى تتوافر في الأمد المنظور ستكون شركة سينسبري قد تمكنت من ربط مجموعة من خطوط الإنتاج بها، وهذه قد تتأثر سلباً إن غادرت السوق والحل أن يصدر هذا القانون سريعاً، حتى يحفظ سياسات هذه الشركة في حدها الأدنى من خفض الأسعار ويمنع الإغراق.
شراء المجمعات الاستهلاكية
وأما البعد الثاني من أبعاد الحديث عن سينسبري على الصعيد الاقتصادي فيتمثل في أوضاع سينسبري في مصر، وقد دخلت سينسبري إلى مصر بالمشاركة مع شركة إيدج للتوزيع والتجارة، حيث اشترت 80% من أسهمها، وقد كان ما يميز شركة إيدج فيما دعا سينسبري للمشاركة فيها أن الأولى"إيدج"كانت قد ارتبطت من قبل مع وزارة التموين بعقد مشروع تطوير المجمعات الاستهلاكية، ولهذا ارتبط اسم شركة سينسبري بإشاعات عن عزمها شراء بعض شركات التجارة الداخلية والجمعيات الاستهلاكية المملوكة لقطاع الأعمال العام والمعروضة للبيع حالياً، وأن هذا هو سر هدوء الحكومة في التعامل مع شكاوى التجار من سياستها، وتباطؤها في إيجاد حلول، كما قامت سينسبري بشراء مجموعة ABC للسوبر ماركت والتي تنتشر في الأحياء التي تسكنها الطبقة العليا، والشريحة العليا من الطبقة الوسطى كمصر الجديدة والزمالك والمهندسين (من أبرز الأحياء الراقية مادياً في القاهرة) .
ومن أهم ملامح عمل مؤسسة سينسبري في مصر أنها في علاقتها بالموردين لا تحصل على السلعة من باب المصانع كما يفعل غيرها من المتاجر، بل تعمل على شراء خطوط إنتاج بكاملها من خلال تعاقدات مع المنتجين، وحتى تاريخ كتابة هذه السطور وقعت سينسبري مع كل من شركتي بروكتور آند جامبل وإنجوي، في حين رفضت شركات أخرى التوقيع معها مثل شركة برسيل وجهينة، والشركات الأربع من شركات منتجات الألبان أو المنظفات الصناعية التي تمثل محل التركيز الأول عند شركة سينسبري.
كما تعمل شركة سينسبري وفق إطار سياسة إغراقية تسمى سياسة"حرق الأسعار"إذ هبطت سينسبري بأسعار منتجات الألبان إلى النصف تقريباً، فتقارير مجلة الأهرام الاقتصادي تشير إلى أن سينسبري تعاقدت على الحصول على منتجات الألبان من شركة إنجوى بسعر 180 قرشاً بدلاً من 275، بينما سعر التكلفة الحقيقية 250 قرشاً، كما حصلت من شركة بروكتور آند جامبل على المنظفات الصناعية بأسعار تقل عن أسعار البيع المنافسة بحوالي 30% مع إغراء كلا الشركتين بالدفع النقدي، ولا تميل وجهة النظر المدققة لتصديق هذه الأقوال، فلماذا تتحمل الشركات تكلفة تفوق تكلفة البيع، حتى ولو كانت الشركة المنتجة هي شركة تابعة لسينسبري نفسها، كما أن خطاب التوضيح الذي أرسلته شركة بروكتور آند جامبل يشير إلى أن شركة سينسبري قد تساوت في عروض البيع مع غيرها من الموزعين، بل إنها حصلت على سعر أعلى لأنها طلبت الشراء بتمويل آجل لمدة 14 يوماً، وعلى الرغم من عدم ميلنا لتصديق إداريي شركة بروكتور آن جامبل، أو حتى المستندات التي أرفقوها، لأنها مستندات ورقية يمكن التلاعب فيها بالتضامن، إلا أننا نشير باطمئنان إلى أن سينسبري اشترت بأسعار أقل من غيرها، ولكن ليست أسعار إغراق، بل أسعار قليلة بصورة طفيفة لضخامة حجم التعاقد، أما فارق السعر أمام المستهلك، فتتحمل هي وحدها آثاره، طالما كانت شركة مستقلة، وقد تجلى هذا التحمل فيما ذكره تقرير الأهرام الاقتصادي نفسه من أنها خسرت في أول شهر 22 مليون جنيه، وأنها مستعدة لتحمل خسارة تصل إلى نصف مليار جنيه خلال العام الأول،. حتى تكتسب زبائن غيرها من المنافسين، وتشير التقارير إلى أن سينسبري لن تكتفي بحرق أسعار منتجات الألبان والمنظفات الصناعية، بل لديها قائمة تضم 70 سلعة تسعى لحرق أسعارها.
وقد ترتب على سياسة سينسبري أن أغلقت 25 من المتاجر أبوابها فعلاً تمهيداً للبيع أو تغيير النشاط بعد إشهار الإفلاس، ومن المتوقع خلال السنوات الثلاث القادمة إغلاق 10 آلاف متجر، كما ذكر تقرير الأهرام الاقتصادي أن رجل أعمال مصري"محترم"له نشاط في مجال السوبر ماركت تقلصت مبيعاته خلال شهر يناير بنسبة 55% بسبب متاجر سينسبري ومترو.
ولاتزال محاولات العلاج قيد الإعداد وسط هدوء في الأوساط الحكومية، وهو الهدوء الذي يعبر إما عن موافقة، أو رغبة في توريط سينسبري أكثر حتى تبقى لتعوض ما أنفقته، أو رغبة في إحراج المعارضة التي توقعت منها أن تولول فتقوم بإصدار القانون بعد ذلك لإحراجها، وربما كان البديلان الثاني والثالث مقترنين لديها، وإن كانت كل البدائل محتملة حتى إشعار آخر.