وفي ضوء المتغيرات السياسية، فإن تكوين المعلم يجب أن يركز على إعداد «المعلم الديموقراطي» ، وهو المعلم الذي يتمثّل الحرية الأكاديمية كسلوك وممارسة واعية وناضجة في الحياة وفي العملية التعليمية وفق الضوابط والالتزام بالصالح العام، ولديه طموحات في رسم مستقبل متجه نحو الديمقراطية، ويحيا منظومة قيمية وأخلاقية تحكم أداءاته كافة بعيدًا عن التسيب والتهاون، بحيث يبدع في التدريس والبحث وعدم الانغلاق إلى نمطية محددة، ويمارس دوره بفعالية وكفاءة في التدريس والتقييم والنمو المهني وخدمة المجتمع، ويسير مع تلاميذه وبهم لأقصى ما تسمح به مقدرتهم وإمكاناتهم واستعداداتهم، ويقومّ تلاميذه بعدالة ونزاهة وشفافية، ويكون قادرًا على تنمية القدرة النقدية التي تستلزم تفكيرًا حرًا وفعلًا مستقلًا، ويشكل حافزًا لتلاميذه على البحث والنقد والمشاركة والمناظرة للآخرين واحترام آرائهم، ويعمل على إشراك جميع التلاميذ في عملية التعليم، وعلى إعادة الحيوية للصف وإصلاح الخطأ الناجم عن التركيبة الهرمية له، والتخلص من النماذج السلبية في النظر للسلطة (45) ، إضافة إلى «معلم المواطنة» ، وهو المعلم الذي يجعل من الوطنية موضوع التقاء لكل التوجهات والأفكار والآراء التي تعكس نوعًا من التعددية الثقافية والفكرية في المجتمع، وتنمية السلوك الاجتماعي والأخلاقي المسؤول وإيجاد جذور لها في سلوكيات التلاميذ، وهو الذي يتعامل مع تلاميذه بموضوعية بغض النظر عن أية أبعاد عشائرية أو اجتماعية أو طائفية، ويشبع حاجاتهم الوجدانية والنفسية والروحية بما يتفق وتكوين شخصية ملتزمة ومتوازنة في ذاتها، بعيدة عن اللامبالاة ومنتمية للمستويات الاجتماعية «الأسرة والأمة وجماعة العمل...الخ» المختلفة في المجتمع وتعزيز علاقتهم بها، وترسيخ مفاهيم التعاون مع الآخرين والقيام بالعمل الخيري التطوعي والخدمي، وليكون تلاميذه أكثر فعالية في الحياة العامة، وأن يكونوا مواطنين معتمدين على أنفسهم وعلى مقدراتهم، ومعتزين بوطنهم وبولاة أمره وبنظامه ومؤسساته الاجتماعية، ولديهم القدرة على التضحية بالنفس والمال في سبيل الدفاع عنه (46) .
5-الآثار الثقافية:
تعد العولمة مصدرًا جديدًا للتجانس الثقافي، وذلك بفضل حيازتها على المعرفة المنظمة، والوسائل الفاعلة لنشرها وتطبيقها في كافة مجالات الحياة، إلا أن عملية التجانس هذه ومسارها ليسا أمرين حتميين، إذ تسهم فيها عوامل عديدة منها القيم والمعتقدات السائدة، ولذا نجد استمرار الاختلافات الضمنية في القيم ومن ثم تعدد الممارسات والأساليب أي التعدد الثقافي (47) ، ولذا تدور ثقافة العولمة حول السعي المشترك بين التماثل والتمايز ومحاولة كل منهما النيل من الآخر، والمستقبل يحمل مشهدين هما: تعزيز نسق أحادي، أو الحفاظ على التنوع الثقافي، ومن ثم تعتمد آثار العولمة الثقافية على تحري ما إذا كانت ستؤدي إلى التجانس أم إلى التعدد الثقافي (48) .
وبالرغم من أن الدور الثقافي لجامعاتنا ضعيف إلى حد يمكن تجاهله، إضافة إلى توزعها بين قطبي جدلية العالمية والحداثة في مجال الثقافة، مما يجعل حركة التطور في التعليم الجامعي بشكل عام تتسم بضبابية تلف فلسفة التعليم الجامعي ومحتواه، وتجعل مسيرتها أقرب إلى العشوائية (49) ، إضافة إلى توجه الأجيال القادمة إلى الفضائيات والمعلوماتية بمزيد من النشوة مع التقاليد الجديدة، والتي خلقت الانطباع أنه لا يوجد شيء محدد، وأن كل شيء يتوقف على وجهة نظر المشاهد (50) ، ويدعم هذا مبالغة المؤسسات التعليمية في الاهتمام باللغات الأجنبية والتدريس بها في بعض العلوم والأقسام، وانتشار الجامعات الأجنبية، واتساع هذا النمط مع ما تفرضه اتفاقيات منظمة التجارة العالمية من إلغاء لأية قيود على فتح المؤسسات التعليمية الأجنبية لفروع لها في الدول الأخرى، والإيحاء بأفضلية الأجنبي على ما هو وطني أو قومي (51) ، ولذا فإن للتعليم في هذه المجالات دورًا مهمًا، لأن الانفتاح الزائد لانسيابات الثقافة العالمية يهدد مجتمع الدولة بالاحتجاج والثورات بينما الانغلاق سيخرج الدولة عن المسرح العالمي، ولأن مهمات التعليم والثقافة تتداخل لتكون دافعة أو معوقة لحركة التقدم (52) ، وهناك عدد من آثار العولمة الثقافية على مؤسسات التعليم، ومن أبرزها الآتي (53) :
-زيادة التدفق الحر للمعارف والمعلومات مما يعزز وظيفة تنمية العلم والتفكير العلمي.
-تطوير وامتلاك المهارات التقنية والإدارية والتسييرية والتفوق فيها، من خلال التعليم العالي.
-تفعيل بعض المبادئ التربوية العالمية مثل «التعلّم الذاتي» و «التعليم للجميع» و «التعليم المستمر» .
-تزايد المقارنة بين الجامعات وتطويقها بعدد من المرجعيات الأكاديمية العالمية والمتنوعة.
-إحداث تغييرات في شكل الدراسات ومحتوى البرامج، لتشبع احتياجات الفئات المحرومة.
-تبني عدد من القيم العالمية المشتركة التي تساعد على نشر ثقافة السلام، وكشف العيوب الموجودة في البنية السلوكية والقيميّة المحلية بعيدًا عن قيم الهيمنة أو الوصاية المعرفية والثقافية.