ولا أريد أن يفهم القارئ من كلامي هذا الحجر على تصرفات الناس جميعها، بحيث لا يقولون قولا، ولا يعملون عملا، إلا بعد أن يفتي فيها عالم أو علماء، فالأصل في الأشياء الإباحة، والحلال بين والحرام بين، فما اشتهر وجوبه، وجب، وما اشتهرت حرمته حرم، وما اشتهر ندبه ندب، وما اشتهرت كراهيته كره، وما علمت إباحته، وهو الغالب من تصرفات العباد، أبيح ولا حرج.
و في حديث أبي ثعلبة الخشني رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (إن الله حد حدودا فلا تعتدوها، وفرض لكم فرائض فلا تضيعوها، وحرم أشياء فلا تنتهكوها، وترك أشياء غير نسيان من ربكم ولكن رحمة منه لكم فاقبلوها، ولا تبحثوا فيها) الحاكم في صحيحه (4/129)
ونحن نرى كثيرا من النظم التي يسنها ولاة الأمر من الحكام وموظفيهم، لا يخالف غالبها نصوص الإسلام وقواعده، ولا ينكرها العلماء على تنوع اتجاهاتهم، بل يؤيدونها وينفذونها.
ومنها نظام المرور ونظام رخص بناء العمارات وهدمها، ومنها نظام التأشيرات الذي أصبحت الحاجة داعية إليه، بسبب تفرق المسلمين وتعدد دولهم، ومنها نظام الإقامة، ومنها كثير من نظم الأمن في المطارات والموانئ والطرقات في داخل المدن وخارجها، ومنها كثير من نظم المؤسسات العسكرية، ومنها التراتيب الإدارية في شتى مؤسسات الدولة... وغير ذلك كثير، لا اعتراض عليه مالم يخالف نصا من القرآن والسنة، أو قاعدة من قواعد الإسلام، أو مقصدا من مقاصده.
وأبواب المباحات التي لولاة الأمر سن نظم يضبطون بها مصالح الأمة واسعة جدا، لا يشترط فيها الرجوع إلى العلماء، ولا صدور فتاوى منهم، وإن لزم ولي الأمر أخذ مشورة أهل الاختصاص في وضع قواعدها المبنية على الخبرة، لتحقق المصالح التي وضعت لتحقيقها.
وإنما يرجع الناس أفرادا، وأسرا، وجماعات، ودولا، إلى العلماء، فيما لم يظهر فيه حكم الله تعالى، وهو ما يحتاج إلى فقهاء في الدين قادرين على استنباط حكم الله من كتابه وسنة رسوله على قاعد الفقه المعتبرة.
كما قال الله تعالى: (( وإذا جاءهم أمر من الأمن أو الخوف أذاعوا به ولو ردوه إلى الرسول وإلى أولي الأمر منهم لعلمه الذين يستنبطونه منهم ولولا فضل الله عليكم ورحمته لاتبعتم الشيطان إلا قليلا ) )النساء: (83)
فعلى المسلمين جميعا أن يردوا ما لم يتبين لهم حكمه إلى أهله، وأن يدعوا ما اشتبه عليهم حكمه، حتى يتبينوه من فقهاء الأمة، فهم الذين يعلمون ما خفي عن غيرهم،كما جاء عن النعمان بن بشير، قال سمعت رسول ا صلى الله عليه وسلم يقول-وأهوى النعمان بإصبعيه إلى اليسرى-: (إن الحلال بين وإن الحرام بين وبينهما مشتبهات،لا يعلمهن كثير من الناس، فمن اتقى الشبهات استبرأ لدينه وعرضه، ومن وقع في الشبهات وقع في الحرام، كالراعي يرعى حول الحمى، يوشك أن يرتع فيه، ألا وإن لكل ملك حمى، ألا وإن حمى الله محارمه....) صحيح مسلم: (3/1219)
المحور السادس: لا غنى لبعض العلماء عن بعض.
وما دمنا بصدد صيانة سفينتنا، فالواجب علينا أن نصدع بكلمة الحق التي لا صيانة للسفينة بدونها:
من المعلوم أن علماء الأمة منتشرون في كل حدب وصوب من بلدان المسلمين وغيرها، ومن المعلوم أن بعض العلماء قد اشتهروا في شعوبهم وفي خارجها لأسباب قد لا تكون بسبب علمهم فقط، كالعلماء الذين مكنهم الله بالسلطان من ارتقاء منابر العلم، كالجوامع الكبيرة، وكراسي الفتوى، والمناصب الرسمية التي منحوا بسببها من الوسائل ما أشهرهم، وسهل للناس الاتصال بهم، ويسر لهم الاتصال بالناس.
ومن المعلوم كذلك أنه يوجد علماء موظفون وغير موظفين، لم ينالوا ما ناله السابقون من الإمكانات والوسائل الرسمية التي اشتهروا بسببها، وقد يكون العلماء الذين لم يشتهروا مثل الذين اشتهروا في علمهم وفقههم لنوازل العصر، وقد يكونون أكثر منهم علما، وأغزر فقها لتلك النوازل، ففوق كل ذي علم عليم.
ولما كانت النوازل كثيرة، وبخاصة في هذا العصر الذي جد فيه مالم يحدث في غيره، فإن العالم لا يستغني عن إخوانه العلماء موظفين كانوا أو غير موظفين، ولا فرق بين مفت وقاض، في ذلك، كما نص عليه العلماء.
وأي عالم ظن أنه مستغن عن إخوانه العلماء وعن مذاكرتهم واستشارتهم في نوازل الأحكام، فقد غرته نفسه وخدعه الشيطان.
وفي قصة موسى مع الرجل الصالح للمعتبرين معتبر [القصة في صحيح البخاري: (1/40) ]
وقد كان الرسو صلى الله عليه وسلم يستشير أصحابه فيما لم ينزل به وحي، في سلمه وحربه، استجابة لأمر ربه تعالى: (( وشاورهم في الأمر ) )
وكان كبار أصحابه، ومنهم الخلفاء الأربعة، يستشيرون قومهم في سلمهم وحربهم، وفي الحلال والحرام، محققين بذلك وصف الله لهذه الأمة: (( وأمرهم شورى بينهم ) )
وكانوا ويسألون عن الدليل الذي يخفى عليهم، وكان عمر يطلب في الأمر أصحابه، فيستشيرهم وَفْدًا تلو وفد، ويراجعه بعضهم مراجعة شديدة حتى يغضبه، فلا يترك الشورى حتى يظهر له الدليل، أو تقنعه الحجة.
يراجع في استشارة الرسو صلى الله عليه وسلم وأصحابه"فتح الباري" (13/340)