واضطر العلماء أن ينزووا مع طلابهم في صحون المساجد أو في مؤسساتهم التعليمية، واقتصر نشاطهم تعلما وتعليما على ما سمي بعلوم الدين وما يخدمها من علوم اللغة وغيرها، كما اقتصرت استفتاءات الناس وفتاوى العلماء على ما يتعلق بالشعائر التعبدية، من طهارة وصلاة وصيام وحج وزكاة وذكر... وانقطع غالبهم عن التعرض لشؤون الحياة الإدارية والاقتصادية والسياسية والتعليمية والإعلامية، حيث حظر عليهم الحكام الدخول في هذا المعترك الواسع، حرصا على استئثارهم بالتمتع بمرافق الشعوب ومتع الحياة، بدون معارض.
وعندما يقوم في حقب نادرة رجال من شجعان العلماء، يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر، ويقولون كلمة الحق، يكون جزاؤهم الاعتقال والسجن والتعذيب والتشريد والقتل....
هذا مع العلم أن كثيرا من علماء المسلمين يرون أن العلماء هم ولاة أمور المسلمين، وإن لم يكونوا هم الحكام، لأن الواجب على الحكام أن يأخذوا بما يبينه لهم العلماء من شريعة الله، ولا يجوز لهم مخالفتهم فيما يخالف كتاب الله وسنة رسول صلى الله عليه وسلم ، حتى قال بعض العلماء: إن"العلماء هم أمراء الأمراء"
وبعض العلماء يرون أن أولي الأمر هم العلماء والأمراء معا، وهذا أقرب إلى مقاصد الشريعة وتحقيق مصالحه، بل إن ولاة الأمر يشمل الأمراء والعلماء وأهل الحل والعقد من ذوي الاختصاص، وأعيان الأمة وزعماء قبائلها، لأن المصالح والمفاسد يعود نفعها أو ضرها عليهم جميعا وعلى أتباعهم.
وبعضهم يقصرون أولي الأمر على الأمراء، وهذا يخالف قاعدة الشورى التي أمر الله بها رسوله، ووصف بها عباده المؤمنين مع وصفهم بقامة الصلاة...
وهذا كله يدل على عظم مسؤولية علماء الأمة الإسلامية التي يجب عليهم أن يقوموا بحقها، ولا ويقعدوا عنها.
المحور الثالث: شمول البيان وعمومه:
وإن الواجب بيانه على علماء المسلمين، يشمل كل مصلحة يجب جلبها لهم، وحمايتها من الضياع بعد تحققها لهم، و كذلك بيان كل مفسدة يجب درؤها عنهم، أو رفعها بعد نزولها بهم.
فليست مهمة علماء الإسلام الاقتصار على بيان ما اشتهر عند الناس من شعائر الإسلام الظاهرة، من صلاة وصيام وحج و زكاة وتلاوة قرآن وذكر... وإن كان أعداء الإسلام يريدون قصرهم على ذلك، وإبعادهم عن التدخل في شؤون الحياة التي لا تستقيم إلا بتوجيه هذا الدين.
بل إن مهمتهم شاملة لكل ما يتعلق بحياة الناس من الأحكام التكليفية التي تتضمن الواجب والمندوب والمباح والمكروه والحرام، وهي الأحكام التي لا تخرج عنها تصرفات البشر.
فلا يخرج عن ذلك شعائر تعبدية، أو مبادئ أخلاقية، أو شؤون اجتماعية، أو جوانب سياسية، أو ترتيبات جهادية، أومناهج اقتصادية أو إعلامية، أو تعليمية...
وما أُلِف من قصر مهمة العلماء على إقراء القرآن وقراءته، وتعليم بعض أبواب الفقه والحديث والتفسير، وإمامة المساجد، وخطب الجمعات المأذون بها، من قبل الحكام المحاربين لشرع الله، وإجراء عقود الأنكحة وكتابة صكوك الطلاق...
إن ما ألف من قصر مهمة العلماء، على أمثال ما ذكر، والحجر عليهم من بيان الحق في شؤون الحياة الأخرى، كما يحجر على الصغار والسفهاء من التصرف في أموالهم، إنه ظلم للعلماء، وسلب لما منحهم الله تعالى وجعله واجبا عليهم، وليس حقا لهم فقط.
كما أنه ظلم للأمة الإسلامية وأفرادها الذين، يفقدون حقوقهم الشرعية، بسبب القوانين البشرية المخالفة لشرع الله، التي يضعها أعداء الإسلام، لتوافق أهواءهم، فيحمون بها مصالحهم التي تجلب المفاسد على شعوبهم.
المحور الرابع: الحكم على الشيء فرع عن تصوره:
ولست أقصد بالعلماء الذين تسند لهم هذه المهمة الشاملة، من يسمون بعلماء الدين المقلدين للآراء التي دونها العلماء السابقون تقليدا أعمى، دون أن يجتهدوا في الأحكام النازلة بالمسلمين، ودون أن يفقهوا الواقع الذي تعيش فيه الأمة، الواقع الذي يحمل في جعبته ما يحتاج الناس فيه إلى بيان من شرع الله، يضبط الحكم، ويرفع الحرج، ويقنع المتردد.
ثم لا يستقل علماء الشريعة بإصدار حكم يحتاجون في صحة تصور مسألته إلى متخصصين فيه، من أطباء، وإعلاميين، ومهندسين، ورجال تعليم، واقتصاديين، وعسكريين، وسياسيين.... بل لا بد من تصور المسألة تصورا واضحا من أهلها، وما يحيط بها من مصالح راجحة أو مرجوحة، ومفاسد راجحة-كذلك-أو مرجوحة، حتى يصدروا أحكامهم أو فتاواهم على بصيرة من أمرهم، لأن الحكم على الشيء فرع عن تصوره.
وهذا ما درج عليه العلماء في هذا العصر في مؤتمراتهم ومجمعاتهم، كالمجمع الفقهي في رابطة العالم الإسلامي، والمجمع الفقهي التابع لمنظمة المؤتمر الإسلامي في جدة، ومجمع البحوث الإسلامية في مصر...فإنهم لم يصدروا قراراتهم في المسائل التي لم يتصوروها تصورا صحيحا، إلا بعد أن يحضروا المتخصصين فيها فيصوروها لهم على حقيقتها، ثم يصدروا فيها قرارهم سلبا أو إيجابا.
المحور الخامس: الحلال بين والحرام بين.