فمن هو العالم الذي يظن نفسه اليوم أغنى علما وأوفق رأيا من رسول ا صلى الله عليه وسلم وأصحابه، حتى يستغني بعلمه عن علم من سواه؟!
أقول: إنه ينبغي للعلماء-موظفين وغير موظفين، مشهورين وغير مشهورين- أن يقترب بعضهم من بعض، وأن يجتمعوا لمدارسة الأمور المهمة ومذاكرتها والتشاور فيها، ليخرجوا بقرارات ترضي الله تعالى وتجعل الأمة تثق فيهم جميعا، بدلا من استئثار بعضهم بالأمر، استنادا على مراكز رسمية لا تؤهلهم وحدها للاستئثار، كما يعلمون، وتجعل جمهرة من الأمة تنفر منهم بسبب ذلك، وبخاصة إذا انتشر الخلاف واتضح لهم الحق مع العلماء الآخرين غير الموظفين.
إن هذا الخلاف الذي لا يتم معه لقاء بين الصنفين: صنف من يسمون بالعلماء الرسميين، وصنف من يطلق عليهم كثيرا:"علماء فقه الواقع"يثمر تنافرا وبعدا بين العلماء، وترددا وشكوكا وضعف ثقة عند الأمة، وبخاصة الشباب المتحمس منهم.
ولقد جاءني بعض الشباب الذين لم أكن أعرفهم، يسألون عن بعض القضايا المعاصرة، وكانوا حذرين في إظهار أسئلتهم على حقيقتها، فألححت عليهم أن يوضحوا مرادهم، حتى أتمكن من إجابتهم، فلما أجبتهم تهللت وجوههم، وقالوا: لقد كنا خائفين من أن تنهرنا وتغضب من أسئلتنا.
قلت: ولماذا؟ قالوا: لأن بعض العلماء إذا سألناهم مثل هذه الأسئلة يتهموننا بالتطرف والغلو ويتهموننا في عقولنا، ولم تكن إجاباتي لهم تختلف عن إجابات غالب علمائنا الأفاضل.
ولفت نظري عنوان في بعض المنتديات يتعلق بأحد علمائنا الأفاضل، فلما قرأت مضمونه رأيت نقد شديدا لذلك العالم، لأنه-كما زعموا-نهر أحد السائلين، وأنَّبه على الهواء، وتهافت الشباب في عيب ذلك العالم... فكتبت سطورا نصحتهم من الغيبة والكلام في أعراض العلماء، فإذا هم جميعا يستجيبون. إن هذا دليل واضح على أن هذا الشباب في حاجة إلى من يرفق به ويحاوره محاورة صبر وحكمة وإقناع.
إن هذا الشباب في حاجة إلى علماء يصبرون عليهم ويحاورونهم بالحكمة، ويقنعونهم بالدليل، ولا ينبغي أن يظهر لهم العالم سخطه من أسئلتهم وشكه فيهم، ويرمي لهم التهم جزافا، فهؤلاء أبناؤنا، يختلطون بأصناف من البشر، ويسمعون كثيرا من الأفكار الصحيحة وغير الصحيحة، فإذا فتحنا لهم قلوبنا، وأصغينا إلى ما يقولون مما يدور بخواطرهم، ثم أجبناهم الإجابات الصحيحة المقنعة، فإنا مع تفقيهنا لهم، نقيهم الشبهات والأفكار المضللة أو الغالية، ونقربهم إلينا فيأخذون منا العلم، بدلا من نفورهم منا.
المحور السابع: مبادرات العلماء في نصح ولاة أمر الأمة:
ومن الأمور المهمة التي يجب أن يقوم بها العلماء-مع بيان الحق الذي أوجبه الله عليهم-أن يبادروا بتقديم النصح لأولياء الأمور في بلدانهم ليقيموا شريعة الله والعدل بين الناس، ويرفعوا راية الجهاد في سبيل الله، دفعا عن حوزة الإسلام وتأمينا لأهلها من عدوان أعدائها عليه، وأن يصبروا على ما قد يترتب على النصيحة من مشقة-أحيانا-فإن الله تعالى قد أوجب على عباده القيام بالنصح، وهو وظيفة جميع الأنبياء والمرسلين، ووظيفة أتباعهم من العلماء والفقهاء في الدين:
كما قال تعالى عن هود لقومه: (( أبلغكم رسالات ربي وأنا لكم ناصح أمين ) )الأعراف: (68) وهكذا سائر الأنبياء، صرحوا بنصحهم لأممهم.
وقد جعل الرسو صلى الله عليه وسلم الدين هو النصيحة، فقال: (الدين النصيحة) وعلى العلماء تقع مسؤوليتها العظمى، وتترتب عليها تحقيق مصالح الأمة، كما تترتب على فقدها من المفاسد ما ينزل بها الضنك والغمة.
ولا ينبغي أن يصاب العلماء باليأس من قبول الحكام نصيحتهم، بل ينبغي الأمل في قبولها، وأن يكرروا النصح بالحكمة والموعظة الحسنة، ويدلوهم على الخير، ولا يدعوا بطانات السوء تستفرد بهم وتدلهم إلى الشر.
ثم لو فرض أن الحكام لم يقبلوا نصيحة العلماء، فقد أقاموا عليهم الحجة أمام الله وبرَّءوا أنفسهم من تبعة السكوت عن كلمة الحق.
وما أعظم كلمة حق يلقيها أهل العلم إلى سمع أهل الجور، ليجلبوا بها العدل للناس، ويرفعوا بها عنهم الظلم والباس!
فقد روى عن أبو سعيد الخدري أن صلى الله عليه وسلم قال (إن من أعظم الجهاد كلمة عدل عند سلطان جائر) رواه الإمام الترمذي، وقال:"وفي الباب عن أبي أمامة وهذا حديث حسن غريب من هذا الوجه" (4/471)
وذكر الحديثَ مطولا في المسند الإمامُ أحمد، وفيه: (ألا لا يمنعن رجلا مهابةُ الناس أن يتكلم بالحق إذا علمه ألا إن أفضل الجهاد كلمة حق عند سلطان جائر) (3/19)
وهنا ترد على العالم المتقي جميع النصوص الواردة في القرآن والسنة، في بابي النصيحة و الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، كما تذكر سيرة دعاة الإسلام وفقهائه الذين قاموا بواجبات البابين.
المحور الثامن: مبادرة العلماء بالصلح بين المختلفين:
وإن مما يجب على العلماء القيام به، الصلح بين المتخاصمين، وبخاصة حكام الشعوب الإسلامية، عندما يقع بينهم التنازع المؤدي إلى الفشل، وما أكثره في هذا الزمان!