فهرس الكتاب

الصفحة 25 من 27364

يعتمد في الترويج لهذا الهدف قدماء المتعاونين مع سلطة الحماية والاستعمار في ببلادنا، والمنظرون السريون والعلنيون للتيار البربري الفرانكفوني في المغرب/ ومنطقة شمال إفريقيا، وفي أوروبا بأكاديمية الدراسات البربرية بفرنسا ومراكز التوجيه والدعم المادي واللوجيستيكي في المعسكر الاستعماري، على مقولة متهافتة هي زعمهم بأن الدين الأصلي لسكان ما قبل الإسلام هو المسيحية، ولذلك ينبغي استبعاد اللغة العربية/ والانتقال مباشرة إلى اللغة الفرنسية والتغريب، تمهيدًا للردة والتنصير، ولئن رفعوا شعار الدفاع عن البربرية مرحليًا فإنما ذلك لتبرير الانتقال إلى الفرنسية مباشرة، والدليل واضح في دعاة هذا الاتجاه، لأنهم لا يعلمون أبناءهم إلا الفرنسية، ولا يتكلمون في أغلب حياتهم العملية إلا بها، ويصرحون بأنها هي لغة الإدارة، وتسيير الِشأن العام، بل منهم من التحق مباشرة وعلانية بالمسيحية، وأخذ يسمي أبناءه بأسماء فرنسية، مع العلم بأن الردة عن الإسلام تكاد تعم أعضاء هذا التيار، حتى وجد منه من يدعو صراحة وعلى منابر الإعلام المرئي والمسموع إلى طرد الدين الإسلامي، واستبعاد أهله من الوطن.

وبغض النظر عن تهافت منطق أذناب الاستعمار وبقاياه المعاصرين فإنه كذلك يدحض من عدة وجوه، منها:

1-أن الدين ليس قضية وراثية وإنما هو إيمان إرادي، واقتناع حر، يقرره المرء بمحض إرادته، فقد يصبح المرء مؤمنًا ويمسي كافرًا، والعكس بالعكس، وقد تكون الأسرة كلها كافرة وابنها مسلم، وقد يكون الأب مؤمنًا والابن كافرًا - نعوذ بالله من الكفر والشرك -، وهذا من البديهيات العقدية، وسكان المغرب بجميع فصائلهم قد اختاروا الإسلام واعتنقوه بكامل وعيهم وإرادتهم بعد أن تبين لهم الرشد من الغي، والهدى من الضلال، ويستطيع أي منهم أن يرتد في أي لحظة تعمى فيها بصيرته، دون الاعتماد على هذه الحجة الصليبية التي تزعم أن البربر قوم مسيحيون، وأن على الكنيسة أن تستردهم وتنتشلهم رغم أنفهم من"براثن"الإسلام بواسطة احتلال أرضهم، وتشريد عائلاتهم، ومصادرة ثروات بلادهم، ونشر الفاحشة، وشذوذ القسس والرهبان بين أبنائهم، وفصلهم عرقيًا ولغويًا عن أصولهم في النسب، ولسانيًا عن لغة قرآنهم المجيد، ودينيًا عن الإسلام والعقيدة الصافية البيضاء.

2-أن سكان مغرب ما قبل الإسلام لم يعرف أكثرهم المسيحية،ولم تنتشر في مجتمعهم؛ باستثناء بعض شواطئهم التي احتلها الرومان والبيزنطيون والوندال، وقد عرفوا قبلها اليهودية زمان النبي سليمان - عليه السلام -، وقبل ذلك انتشرت فيهم المجوسية والوثنية عبادة للنار، والنجوم، والطواطم، والأوثان، وبعض الحيوانات التي وجدت مرسومة في الحفريات والصخور، فإذا تقبلنا هذا المنطق المتهافت لدى التيار الفرانكفوني في بلادنا فسوف ينبعث من يطالب بالعودة إلى الوثنية أو المجوسية أو اليهودية بحكم أن هذه الديانات كانت منتشرة قبل المسيحية، وأن على البربر أن يرتدوا يهودًا أو مجوسًا أو وثنيين.

3-أننا بالمقياس التاريخي وحده نستطيع أن نثبت أن الدين الأصلي للسكان لم يكن المسيحية، أو الوثنية، أو المجوسية، أو اليهودية، وإنما كان ملة أبينا إبراهيم - عليه السلام - وهو سمانا المسلمين، وقد أثبت صاحب السيرة الحلبية أن إسماعيل - عليه السلام - قد أرسل بدين أبيه إبراهيم أبو الأنبياء - عليهم السلام - إلى الحميريين العماليق وهم معدن البربر وأصلهم، فاعتنقوه، ونقلوه معهم إلى إفريقيا.

ولعل اعتناقهم لديانة إبراهيم التوحيدية هو ما يفسر عدم اهتمامهم بالأصنام والأوثان، والنحت والرسم، وما اكتشف بمنطقتهم من آثار - وهو قليل جدًا بالنسبة لما عند الأمم غيرهم - ليس إلا من بقايا الغزو الروماني، والبيزنطي، والوندالي لبلادهم، مما يؤكد احتفاظهم طيلة تاريخهم القديم ببعض معاني التوحيد الإبراهيمي الخالص، كما يفسر سرعة استجابتهم لهذا التوحيد نفسه عندما وفد إليهم من جديد في ثوبه المحمدي على يد الفاتحين صحابة وتابعين، فاعتنقوا الإسلام، وتفاعلوا معه، وأتقنوا لغته، وجاهدوا في سبيله، ونقلوه إلى أمم غيرهم في الأندلس ومجاهل إفريقيا، تم كل ذلك في ظرف لم يتجاوز ثلاثين سنة بعد وصول عقبة بن نافع إلى المنطقة سنة92 هجرية، وهذه ظاهرة لم تتكرر في أي قطر آخر دخل إليه الإسلام، ثم تحمل البربر بعد ذلك مسؤولية إقامة أمر الإسلام سياسة وإدارة وتسييرًا للشأن العام بتأسيس أنظمة سياسية متكاملة، وإقامة إمبراطوريات عظيمة نصرت العقيدة وأهلها، ودافعت عن قيم الدين ومثله وشريعته، ووحدت منطقة الشمال الإفريقي من المحيط الأطلسي إلى الحدود الليبية المصرية، ومن الأبيض المتوسط إلى بحيرة تشاد كما هو شأن دول المرابطين، والموحدين، والمرينيين.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت