4-أن الارتباط العاطفي بالجزيرة العربية وعالم الغيب من خير الأدلة على انتمائهم لأبناء عمومتهم عرب المشرق، فبمجرد ما سمعوا بظهور النبي صلى الله عليه وسلم اشرأبت أعناقهم إليه قبل أن تأتي جيوش الفتح، وشاعت بينهم أحاديث وأخبار ما زالت رائجة في أدبياتهم لحد الآن، وإن لم نتأكد من صحتها عن وفود منهم قدمت على رسول الله صلى الله عليه وسلم آمنت به، وأيدته ونقلت دينه إلى أهلها وعشيرتها، من ذلك ما ذكره أبو العباس بن إبراهيم الدكالي في كتابه"الذهب المنقود في ذكر الأعلام من الآباء والجدود"أشار فيه إلى حديث صحبة رجال سبعة من قبيلة رجراجة البربرية وفدوا على الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم وآمنوا به، وحملوا رسالته إلى قومهم، ومازال المغاربة لحد الآن يفتخرون بكون بعض أجدادهم من الصحابة الكرام، ويتغنون في أهازيجهم الشعبية وأدعيتهم بمن يسمونهم"رجراجة الأحرار".
5-أننا بمقياس التجربة والواقع نرى فشل كل جهود المبشرين في تنصير المغاربة منذ السماح لهم بفتح الكنائس في مدينة فاس سنة1760م، مرورًا بمعاهدة الحماية سنة 1912م، والظهيرين البربريين الاستعماريين في سنة1914م وسنة 1930م، وبالجهود التي يبذلها في هذا المجال بقايا الخونة وعملاء الاستعمار في العصر الحديث، مما يؤكد أن المغاربة يرفضون كل محاولة لتغريبهم وتنصيرهم وشق صفوفهم عرقيًا، أو إبعادهم عن دينهم ولغة قرآنهم (( وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلاَمِ دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ ) )55.
واقع الحال وآفاق المستقبل:
إن هذا البحث لم يحملنا عليه انتماء إلى عرق دون عرق، أو قوم دون قوم، ولئن تضمن تنقيبًا عن الأصول والأعراق الوطنية فإنما للرد على دعاة العرقية والعنصرية من أولياء النفوذ الأجنبي وأتباعه، خاطبناهم بلغتهم دحضًا لمفترياتهم، وإقامة للحجة عليهم، وإلا فإن الحديث والكتابة عن الانحراف قد يكون أحيانًا ترويجًا ودعاية له.
وما دعانا لإثارة الموضوع إلا عواصف وأنواء تقصف مجتمعنا وأبناءنا، وتحاول تدمير حاضرنا ومستقبلنا، وتخريب دنيانا وآخرتنا، وتوهين صفنا ووحدتنا، والقضاء على حريتنا واستقلالنا، وتحويلنا إلى ذيول وأتباع لأجنبي صليبي مستعمر.
يشهد بذلك ما تعرفه بلادنا حاليًا من فساد اجتماعي واقتصادي وسياسي، وانحلال أخلاقي وإعلامي، ونشاط محموم سائب لكل دعاة الفاحشة، ودعاة التبعية للمستعمر القديم، ودعاة التحلل من القيم والأخلاق، ودعاة التمرد على الدين، ودعاة بيع الأعراض والمتاجرة في المحرمات، مما ينذر بفتنة عارمة تحل بديارنا، وتعصف بمستقبل أبنائنا، وتدمر وجودنا كأمة لها تاريخها المجيد، وطموحها الراقي العتيد، ونِدِّيتُها للأمم غيرها.
ويصرح بذلك أولياء الردة والكفر والولاء للأجنبي علانية وبكل جراءة ووقاحة، وكأنما نامت نواطير56 البلد، أو غاب ناطورها، وانكسر نُطَّارُها57، فعاثت في أرجائها الثعالب، وهرجت ومرجت، وبعثرت المَقَاثي والمزروعات.
إن بني إسرائيل لُعِنوا لأنهم كانوا لا يتناهون عن منكر فعلوه، وقال الله - تعالى- عنهم: (( لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِن بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوا وَّكَانُواْ يَعْتَدُونَ كَانُواْ لاَ يَتَنَاهَوْنَ عَن مُّنكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُواْ يَفْعَلُونَ ) )58.
وإن هذا مآل من فعل فعلهم فلم ينته عن منكر، ولم ينه عنه، وهو ما ورد تفصيله في الحديث الشريف59: عن عبد الله بن مسعود قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إن أول ما دخل النقص على بني إسرائيل كان الرجل أول ما يلقى الرجل فيقول: يا هذا اتق الله، ودع ما تصنع فإنه لا يحل لك، ثم يلقاه من الغد فلا يمنعه ذلك أن يكون أكيله وشريبه وقعيده، فلما فعلوا ذلك ضرب الله قلوب بعضهم ببعض، ثم قال:(( لعن الذين كفروا من بني إسرائيل على لسان داود وعيسى بن مريم ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون... إلى قوله: فاسقون ) )ثم قال: كلا والله لتأمرُنَّ بالمعروف، ولتَنْهَوُنَّ عن المنكر، ولتأخذُنَّ على يد الظالم، ولتأطُرُنَّه على الحق، ولَتقصرُنَّه على الحق قصرًا، أو لَيَضْربَنَّ الله ُبقلوب بعضكم على بعض، ولَيَلْعَنَنَّكُم كما لعنهم).
إن الإسلام الذي وحد القبائل المتنافرة، والشعوب المتناكرة، والأقوام المتناحرة؛ هو البلسم الشافي للأمراض العرقية والعنصرية، وفتن التناحر والتقاتل والتنابز.
وإن ما شاع في بلادنا من جراءة على الله، وتمرد على القيم، ومحاولات خبيثة لتخريب الوحدة الوطنية، وتوهين الصف الواحد المتراص، يحمل الدعاة مسؤولية عظيمة وخطيرة، لأن بين أيديهم دواء ما تعاني منه الأمة من أمراض وأوبئة، وتقاعسهم عن إفشاء الدواء، والتمكين منه ظلم عظيم، ولسوف يسألون...
كلمة أخيرة للدعاة الصادقين:
(لوثة العرقية في منظار العقيدة والشريعة) :