إلا أن ما ذهب إليه الشماخي وهو ما يؤكده التقارب بين البربرية واللهجة اليمنية الحالية، وكثير من التقاليد المشتركة بين الشعبين اليمني والبربري في العادات والتقاليد، والملابس والحلي، لا ينفي أن اللهجات البربرية قد تأثرت على مر السنين بالشعوب الوافدة إلى المنطقة من غير العرب كالفينيقيين والرومان، والبيزنطيين والوندال، على رغم أنهم ووجهوا بمقاومة شرسة من قبل الأهالي، ولم يستطيعوا النفوذ إلى ما سوى بعض السواحل، وإن كان هذا التأثير محدودًا جدًا، فحروف التيفيناغ التي لدى الطوارق، وتبناها التيار البربري الفرنكفوني مثلًا؛ مستمدة من الفينيقيين، وهم ساميون كما ذهب إليه غوستاف لوبون46، ورغم ما طرأ عليها بسبب الاتصال المباشر بالعالم الخارجي تجارة ومدافعة فإن هذه الحروف مازال أكثرها أقرب إلى حروف اللغات السامية عربية، وحميرية، وسريانية، وآرامية.
وكذلك الحال فيما يتعلق بأغلب القواعد النحوية والصرفية، وتركيب الجمل والمفردات التي لا تكاد كلها تقريبًا تبتعد عن أصلها العربي إلا بما أحدثه في بعضها عامل الزمن والاستعمال الدارج مما يؤكد أنها أصيلة في كلامهم، وغير دخيلة أو منقولة، وأن اللغة البربرية هي لهجة عربية قديمة وغير صريحة مثلما كان الحال في لهجات قبائل عرب الجزيرة قبل البعثة، وقبل أن يوحدها القرآن الكريم، سواء اللهجات التي انقرضت وبقيت لنا منها نقوش تدل عليها مثل الثمودية، والصفوية، واللحيانية، أو العربية الباقية كلغة قريش بصفائها، واشتراك القبائل الأخرى في فهمها واختصاصها وحدها في الكتابة والشعر والخطابة لاسيما بعد نزول جل مفردات القرآن بها، وكلغات القبائل الأخرى التي لكل منها تميز خاص نطقًا أو تعبيرًا كما هو حال كشكشة47 ربيعة ومضر، وفحفحة48 هذيل، وطمطمانية49 حمير، وعجعجة50 قضاعة، وشنشنة51 اليمن، وعنعنة52 تميم، ولكنها كلها تجتمع في كونها لغة عربية.
وهذا ما قررته دائرة معارف"يونيفرساليس"مؤكدة:"أن اللغة البربرية امتداد لصيغ اللغة العربية"، وأن الآداب البربرية"مستمدة من المشرق العربي"، وأن"جميع اللهجات البربرية مطبوعة بطابع اللغة العربية"53.
ولعل من المفيد في هذا المجال أن نسوق بإيجاز ما ذكره الدكتور محمد بن عبد الكريم الجزائري54 قال:"لعل كثرة اختلاط سكان الشمال الإفريقي مع مختلف الأجناس المتوالية على احتلال بلدهم، وتبدل الطقس وقساوة الطبيعة، كل ذلك أصبح سببًا في تبربر لغتهم العربية، وتلاثغ ألسنتهم بعد فصاحتها، وفي إمكاننا أن نأتي ببعض البراهين لعلها تكون خير مرشد لمن ضل السبيل في بحثه عن عروبة الشمال الإفريقي لغة وجنسًا:"
البرهان الأول: ثلث مفردات اللغة البربرية عربي النزعة.
البرهان الثاني: عدم وجود ما يقابل اللغة العربية إن أريد حذفها، وتعويضها باللغة البربرية.
البرهان الثالث: وجود حروف في اللغة البربرية لا وجود لها في سوى اللغة العربية، ثم لا تكاد تجد حرفًا من هذه يعسر النطق به في تلك، مثل حرف الضاد والعين، والغين والطاء، وجميع الحروف التي تفردت بها لغة الضاد، والعجيب أن هذه اللغة هي لغة ذات ضاد كالضاد العربية تمامًا، إن هذه البربرية ليست مستقلة بذاتها، وإنما هي عربية في أصلها قد تحرفت بطول الزمن، حتى أصبحت أكثر بعدًا عن العربية الفصيحة من هذه اللهجات العامية المختلفة التي تتكلمها الشعوب الناطقة بالضاد.
البرهان الرابع: سرعة انتشار العربية في البربر بمجرد امتزاجهم بالعرب الفاتحين، ولعل خير دليل على عروبة البربر بالأصالة أنهم لم يتأثروا بأية لغة من لغات الأجناس الكثيرة التي مرت بهم مثلما تأثروا باللغة العربية.
البرهان الخامس: وجود التشابه الخَلْقي والخُلُقي المشترك فيهما - أي عرب هجرات ما قبل الإسلام وهجرات ما بعده - قديمًا وحديثًا، قال ابن خلدون:"البربر لم يكن لهم انتحال للمباني والصنائع والمدن، وبهذه الصفة يشبهون العرب، على أن يقاس حضري أولئك وبدويهم بحضري وبدوي هؤلاء".
البرهان السادس: وجود أسماء وألقاب عربية تلقب بها البربر قبل الفتح الإسلامي، قال ابن خلدون:"ومن الأسماء العربية عند البربر موسى بن صالح من بني يفرن، الكاهن المشهور"، فلو لم يكونوا عربًا ما أسموا أبناءهم بأسماء عربية صريحة مثل صالح هذا، وزياد والد طارق بن زياد"."
هل يجب أن يعود البربر إلى النصرانية كما تريد فرنسا وتيارها في بلادنا؟