ووردت بمعنى الصدق والطاعة والقبول في قوله - تعالى-: (( أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنسَوْنَ أَنفُسَكُمْ وَأَنتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ ) )البقرة44، (( لَن تَنَالُواْ الْبِرَّ حَتَّى تُنفِقُواْ مِمَّا تُحِبُّونَ وَمَا تُنفِقُواْ مِن شَيْءٍ فَإِنَّ اللّهَ بِهِ عَلِيمٌ ) )آل عمران92.
كما وردت بمعنى ما سوى البحر في قوله - تعالى-: (( أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ مَتَاعًا لَّكُمْ وَلِلسَّيَّارَةِ وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا وَاتَّقُواْ اللّهَ الَّذِيَ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ ) )المائدة96.
ولعل هذا المعنى الأخير للبر - بفتح الباء - هو أصل التسمية"بربر"لأن اليونانيين والرومان كما هو مشهور أول من أطلق على سكان شمال إفريقيا هذه التسمية، عندما كانوا يهاجمون المنطقة من السواحل، فترهق الحرب الأهالي، ويقررون اللجوء إلى البر جبالًا وأودية وكهوفًا، بعيدًا عن مناطق الغزو الأجنبي في الشواطئ، ويتنادون"البر .. البر"، ثم يتخذون من هذه الأماكن الحصينة جبهة للمقاومة الشعبية ضد الاستعمار الذي يحتل السواحل، وعندما سمع اليونانيون نداءهم"البر البر"، ورأوا آثار هجماتهم المباغتة على معاقل الاستعمار، وحصونه ومزارعه؛ أطلقوا عليهم هذه التسمية إشارة إلى ما تتسم به مقاومتهم من شراسة وعنف، ولذلك تجد هذه اللفظة في القواميس اللاتينية تعني الوحشية والعنف كما في الأمثلة التالية:
متوحش/Ba r ba r ian
فظ/Ba r ba r ic
وحشية/Ba r ba r ism
همجية/Ba r ba r ie
أما المؤرخون العرب فيذهبون إلى أن أصل التسمية هو نسبهم إلى بر بن عيلان بن مضر من أجداد العرب، وهو ما ورد في الشعر الجاهلي قبل الإسلام على لسان طرفة بن العبد:
ولكن دعا من قيس عَيلان عصبةٌ يسوقون في أعلى الحجاز البرابرا42
وإلى هذا الأصل المشترك بينهم وبين العرب تشير الشاعرة تماضر أيضًا:
فأقسم أنا والبرابر إخوة & nbsp; نمانا وَهُمْ جَدٌّ كريم المناقب
أبونا أبوهم قيس عيلان في الذرى &nbs p; ; وفي حرسه يسقى غليل المحارب
ويقول شاعرهم البربري الآخر قيس بن خالد يفتخر بأصله العربي:
أيها السائل عنا أصلنا &nbs p; ; قيس عيلان بنو العز الأول
نحن ما نحن بنو بر الندى ; طارد الأزمة نحار الإبل
نحن ما نحن بنو بر القوى &nbs p; ; عرف المجد وفي المجد دخل
إن قيسا قيس عيلان هم & nbsp; معدن الحق على الخير دلل
وعلى هذا الأساس فإن للبربر شرف الانتساب إلى الرسول صلى الله عليه وسلم ، وهم أخواله من الرضاعة، لأن حليمة السعدية مرضعته يرتفع نسبها إلى قيس عيلان، ومن المؤرخين من يذهب إلى أن أصل التسمية في اللغة العربية من"البربرة"وهي اختلاط الأصوات وكثرتها وزمجرتها من"بربر الأسد"إذا زمجر، وفي حديث على - كرم الله وجهه - 43 لما طلب منه أهل الطائف أن يكتب لهم الأمان على تحليل الزنا والخمر فامتنع، قاموا ولهم تغذمر44 وبربرة، ومنه الحديث: (فأخذ اللواء غلام أسود فنصبه وبربر) 45.
والذي نراه أن التسمية"بربر"ليس لها أصل يفيد عرقًا أو نسبًا لأنهم فصائل كثيرة، وتطلق عليهم حسب مناطقهم وأنسابهم تسميات متعددة، وقد اشتهروا في التاريخ بالبتر والبرانس، ومازيغ نسبة إلى جد فصيل منهم، وفي المصطلح الشعبي المتداول"زيان، والريفيون، والسوسيون، والقبائل، والشاوية، والزواريون، وكل هذه التسميات الشعبية لها جذورها في اللغة العربية."
على أن هذه النزعة العرقية لم تكن معروفة أو متداولة فيما قبل الاستعمار الأجنبي للمنطقة، بل كان المغاربة شعبًا واحدًا متمسكًا بوحدته الوطنية والعقدية والعرقية، وإنما وفدت هذه اللوثة الخبيثة مع الغزو الصليبي لبلادنا في إطار برنامجه لمسخ هوية البلاد وأهلها وأصالتها، وتمزيقها على صعيد العرق بتقسيمنا إلى عرب وبربر، وعلى صعيد الدين بالادعاء أن سكان الجبال لهم دينهم العرفي المستقى من بقايا ديانات مسيحية أو يهودية أو مجوسية كانت في بلادهم، كل ذلك من أجل تكريس النفوذ الفرنسي الكنسي في أوطان المسلمين كافة تطبيقًا لسياسة"فرق تسد"، وسعيًا لتحقيق طموح إمبراطورية استعمارية حاقدة.
من حيث علاقة البربرية باللغة العربية:
وفي هذا المجال يحسن بنا أن نورد قول المؤرخ اليمني القاضي عبد الله بن عبد الوهاب الشماخي:"اللغة العربية والبربرية تشتركان في الأصول والتركيب، إن البربرية الموجودة الآن لغة عربية قديمة، وغير صريحة، لأن هناك العربية الصريحة، والعربية غير الصريحة، العربية غير الصريحة ما كانت قبل نزول الوحي في أطوار تكوينها، فاللغة الحميرية إذا رأيتم هي اللغة البربرية، ثم جاءت الأسواق قبل البعثة النبوية بنحو ثلاثمئة عام فبدأت تتهذب وتصقل في سوق عكاظ وأمثاله، حتى جاءت اللغة العربية الصريحة التي شرفها القرآن، ورفعها إلى القمة".