هذه هي رسائلهم المهمة ولاتسأل عن المفردات والصياغات التي نترفع عن الحوار معها، أو الرد عليها. وليس من المبالغة في شيء لو قلنا أن ماسبق يمثل إنقلاباً حقيقياً على مصدر الشرعية والوجود والهوية لهذا البلد، فهل سيستمر البلد في السماح لهؤلاء بهذه الحملة!؟.
كما أنهم روجوا لردة الفعل"الأمريكية"على حدث تفجيرات الرياض والتي أشرنا لها في الفقرة السابقة. لكن المضحك أن بعض كتاب الصحف وبعض ضيوف القنوات خالفوا تقييد الحريات الاجتماعية والفكرية والإعلامية التي فرضتها أمريكا وعاش شعبها بسبب ذلك تغيراً ملفتاً ومعاناة، لكن إدارة الأمن الداخلي الجديدة أقنعت الجميع بأهمية ذلك خصوصاً إذا تبين أن المتضرر منه بالدرجة الأولى هم الأمريكيون المسلمون.!. الإعلاميون لدينا على غير العادة خالفوا هذا التحول الأمريكي الطبيعي في ظل الضغوط الأمنية، وطالبوا بإطلاق الحريات في السعودية ...!!! مما يدعو للسخرية والشفقة فهؤلاء القوم لا يتركون فرصة دون توظيفها لخدمة أهدافهم غير المعلنة، حتى لو أوقعهم ذلك في التناقض . وكأن الحرية قد منعت العمليات الإرهابية عن"بلد الحريات"، إلا إن كانوا يقصدون إطلاق الحريات لهم وتضييقها على غيرهم كما حصل في أمريكا...!!.
الأزمة التي يواجهها أهل العلم والدعوة
تعرض رموز العلم والدعوة في هذا البلد لضغوطات متتالية من وسائل الإعلام المحلية والمهاجرة ليحددوا موقفهم ويعلنوا شجبهم وإدانتهم للحدث، في نفس الوقت الذي تمتليء فيه هذه الوسائل بحملات التشويه والتجني على هؤلاء الرموز.
وموقف العلماء والدعاة لايأتي ولاينبغي له أن يأتي انفعالياً ومتعجلاً، ولا أن تحركه وسائل الإعلام. وهذا الموقف معروف ومعلن منذ سنوات، فما الحاجة لتكراره الآن خصوصاً إذا تذكرنا أن العلماء ليسوا طرفاً سياسياً حتى يطلب منهم تحديد مواقفهم بأسرع وقت من وقوع الأحداث والتغيرات. بل هم هداة ومسددون لمسار المجتمع ويقدمون توجيهاتهم واجتهاداتهم قبل وبعد الأحداث للالتزام بها ولأخذ العبر والدروس منها. والحفاظ على دورهم ومكانتهم صمام أمان بإذن الله من هذه الشرور.
لكن الأزمة الحقيقية التي يعيشها أهل العلم والدعوة في هذا البلد أعمق بكثير من هذه الضغوطات أو الإساءات من هذه الجهة أو تلك، وفي تقديري أن هذه الأزمة هي أحد أهم الأسباب التي تزيد من تفاقم المشاكل في السعودية، ومنها مشكلة التطرف والغلو وتتركها دون حل حقيقي.
ويمكن تلخيص أبعادها في النقاط التالية:
1.الموقف الرسمي غير القابل لطروحات الشخصيات الدينية بدعوى رفضها لبرامج التحديث والتطوير للبلد وعدم فهمها للمتطلبات الدولية، تلك الدعوة التي يبدأ فيها ويعيد رموز التغريب المتنفذين.
2.التذمر الرسمي من اتساع طيف وتباين مواقف ومطالب ما يوصف"بالتيار الإسلامي"وهو في الحقيقة كيان واسع ممتد يشمل القطاع الأكبر من أهل البلد. في الوقت الذي يشتكي فيه هذا الكيان من دور التعامل الرسمي في خلق هذه الانقسامات وهذا التباين الذي يعقد المسألة.
3.عجز الكيان الإسلامي الواسع في هذا البلد أن يقدم قضيته بشكل واضح ومقنع لصاحب القرار، وأن يتمكن من طرح مطالبه بهدوء وأناة وثبات متصاعد. دون أن يضطر لتقديم التنازلات أو المراجعات إذا كانت تتعارض مع جوهر رسالته ودعوته، ولا أن يتردد في الاستجابة للمراجعات الضرورية والتي لاتؤثر في حقيقة دعوته.
4.الجماهيرية الواسعة التي يحظى بها أهل العلم والدعوة في هذا البلد المحافظ بطبعه، ويشهد بذلك بعض العقلاء في المجتمع الذين يرون على سبيل المثال أن أي انتخابات في هذا البلد ستأتي بهذا"التيار"دون سواه. وهذه الشعبية والجماهيرية هي مايخيف خصومه منه، لكنها في نفس الوقت تخلق أزمة لأهل العلم والدعوة بنوعية المطالب العاطفية الحماسية التي تنادي بها الجماهير دون أن يتاح لهم أي وسيلة جماهيرية واسعة لترشيد المسار وتعديل الاجتهادات.
5.الإقصاء المستمر للكيان الإسلامي وطاقاته وكفاءاته عن أي مشاركة حقيقية في أجهزة البلد القيادية المختلفة، وعن الأخذ برأيه في العديد من أوجه الحياة وسبل الإدارة والتوجيه للمجتمع. في نفس الوقت الذي يتزايد فيه منح الفرص والمراكز لطاقات وكفاءات ما يسمى بالتيار التغريبي الليبرالي.
6.التعامل الانتقائي مع أهل العلم والدعوة، بمعنى أنه حين تكون عجلة المجتمع ووتيرة استقراره تسير بانتظام كما رسم لها، يتم نسيان هؤلاء أو تناسيهم، كما يتم التغاضي عن التيار التغريبي وهو يشن حملات التشويه والاتهام والتجني بحقهم. ثم إذا حدثت الأزمات -كحادث التفجير في الرياض- يطالب أهل العلم والدعوة المستقلون وبإلحاح أن يكون لهم دور ومشاركة لكن بشرط أن يلتزموا بما يرسم لهم من دور وبالحدود المتاحة وفي التوقيت المتاح.
هذا التوظيف الانتقائي تحديداً يمثل أكبر العوائق في طريق أهل العلم والدعوة لو أردنا حقيقةً منهم أن يساهموا في العلاج والإصلاح.