فهرس الكتاب

الصفحة 2181 من 27364

ويتذكر المرء في هذا السياق ما فعلته وتفعله مؤسسة (كالمعهد العالمي للفكر الإسلامي) من وضع منظومة بحوث للدراسات العليا: بعناوينها، ومفرداتها، وخططها، ومسوغاتها، ومستوياتها الأكاديمية، بين أيدي الباحثين، ليس هذا فحسب، بل الإعانة ـ أحياناً ـ على اختيارها وتنفيذها، ونشرها في نهاية الأمر من أجل دعم أهداف المعهد وتوجهاته المعرفية.

( نشرت مجلة المسلم المعاصر ـ في القاهرة ـ في بعض أعدادها لوحات بهذه الموضوعات) .

فلا يكفي ـ في هذه المرحلة ـ أن نترك الطالب يختار موضوعه، فقد يكون هذا الموضوع تكراراً لما سبق وإن عولج أكثر من مرة، وقد يكون غير مناسب، كمشروع عمل لمرحلة الماجستير أو الدكتوراه ، وقد يأتي ـ وهذا هو الأهم ـ بنتائج معاكسة قد تدفع الطالب، والقاريء معاً، إلى تأكيد العزلة والانفصام بين الشريعة والحياة.

ولا يتطلب الأمر أكثر من بذل اهتمام أكبر في مسألة الاختيار، وأن يدخل الأساتذة المشرفون الذين يفترض فيهم الإخلاص والعلم والجدية في مجال تخصصهم، بشكل أكثر فاعلية في إعانة الطالب على العثور على الموضوع المناسب، والأخذ بيده قدر الإمكان، من أجل تنفيذ رسالة ذات مستوى عالٍ من الأداء منهجاً ومضموناً.

هناك ضرورة تنمية الخبرات التدريسية لطلبة الشريعة، قبيل تخرجهم، وتعميق

قدرتهم على الخطاب الإسلامي، من خلال الدورات التدريبية، والاستفادة من علوم النفس والتربية وأصول التدريس، ومنحهم الفرصة"التطبيقية"المناسبة في التدريس في المتوسطات والثانويات، أسوة بما تفعله كليات التربية التي تبذل جهداً"مضافاً"على المطالب الأكاديمية، من خلال منح طلبتها المعرفة والخبرة والآليات التي تمكنهم من أن يكونوا"مدرّسين"أكفاء. وقد ينضاف إلى الخبرة التدريسية بالنسبة لطلبة العلوم الشرعية، الخبرة الخطابية التي يمكن أن تحفز وتمنح الدربة الكافية من خلال فرص التطبيق عبر سني الدراسة الجامعية.

هناك ـ أيضاً ـ ضرورة تحفيز كليات الشريعة ومعاهدها على صياغة وتنفيذ برامج عمل مؤسسية تضعها في قلب العصر، وتزيد من فاعليتها وتدفعها إدارة وأساتذة وخريجين إلى المواقع القيادية المؤثرة في المجتمع.

لقد أخذ هذا التقليد، الذي يتحرك تحت شعار"الجامعة والمجتمع"، ينتشر أكثر فأكثر على مستوى العديد من الكليات والأقسام العلمية عبر العقود الأخيرة، فصرنا نجد مكاتب أو مؤسسات استشارية في هذا القسم أو ذاك من كليات الهندسة، أو العلوم، أو الطب، أو الزراعة، أو القانون، أو الإدارة، أو الاقتصاد، أو السياسة، أو حتى التربية والآداب. وأصبحت هذه المكاتب تحقق ـ بمرور الوقت ـ أكثر من هدف. ففضلاً عن الالتحام أكثر بالمجتمع والحياة، وفضلاً عن منح الفرصة للكفاءات الميدانية للتنفيذ، والإضافة، والاكتشاف والإبداع، فإن هذه الممارسات تجيء بمثابة فرصة مضافة لتعميق القدرات التخصصية والمعرفية للتدريسيين، وربما لطلبتهم كذلك. هذا إلى أن ممارسات كهذه تدرّ دخلاً موفوراً يعين الأقسام والكليات، والإدارة الجامعية في نهاية الأمر، على توظيف هذا المردود لمزيد من العطاء والإبداع.

لماذا تظل معاهد الشريعة وكلياتها، في معظم الأحيان، بمعزل عن هذا كله، في الوقت الذي يتحتم أن تكون الأكثر إفادة من هذه التجربة بسبب من كثرة القنوات التي تصل بينها وبين المجتمع الذي طالما انتظر الإشارة من علمائه وفقهائه لكي يعدلوا وقفته هنا، ويعينوه على المضي هناك وفق أكثر الصيغ التزاماً بمطالب هذا الدين؟

لا يسمح المجال للاستفاضة، فلابد ـ إذن ـ من الاكتفاء بالتأشير على بعض الحلقات الممكنة في ممارسة كهذه من مثل: النشر، مشاريع التأليف المشترك، التحقيق والفهرسة، الأعمال الموسوعية، الحلقات الدراسية، الندوات والمؤتمرات، الإنتاج الفني والإعلامي، إقامة الجسور وتوسيع التعامل مع المؤسسات المعنية بالمعرفة الإسلامية، المشاركة الفعالة في أنشطة أسلمة المعرفة وصياغة حيثيات المشروع الحضاري.

سأقف لحظات عند إحدى الحلقات كمقترح للعمل يمنح كليات الشريعة ومعاهدها فرصة ميدانية للتحقق، ويدفعها باتجاه مزيد من الالتحام بالحياة الاجتماعية وبالواقع اليومي لجماهير المسلمين.

يتضمن المقترح إصدار دورية أو سلسلة كتب ميّسرة في الفقه تعالج المسائل المعاصرة والمستجدة، فضلاً عن القضايا الثابتة، وتعتمد أسلوباً حديثاً في اللغة ونهجاً يسعى لتوحيد المواقف في الحالات الخلافية الحادة التي تحّير المسلم وتربكه.

إن المسلم المعاصر عندما تجابهه معضلة ما يلجأ إلى هذا الكتاب الفقهي أو ذاك، وقد يطلب العون في أبواب المجلات المعروفة بـ"فتاوى فقهية"لكنه لا يلبث أن يجد نفسه بين الحين والحين إزاء لغة سقيمة في الخطاب الفقهي، وإجابات أو مواقف شتى وليست إجابة واحدة أو موقفاً محدداً فيقع في دائرة الحيرة والإرباك.

إنها اللغة السقيمة القادمة من القرون الوسطى، والخلافيات التي قد تصل حد التناقض الكامل، بحيث أنها ترجع بالمسلم ـ أحياناً ـ إلى نقطة الصفر كرة أخرى.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت