ولطالما درّسنا طلبتنا بإسهاب حيناً، وإيجاز حيناً آخر، عوامل سقوط هذه الدولة أو تلك من دول الإسلام كالأمويين والعباسيين والفاطميين والعثمانيين.. إلى آخره .. لكننا لم نحاول ـ إلا نادراً ـ أن نقف طويلاً عند ظاهرة انهيار الحضارة الإسلامية نفسها ـ في سياقها التاريخي ـ بعيدا عن الأطر السياسية المحددة، لمتابعة عوامل الشلل المتشعبة والتأشير عليها بقدر من العمق والوضوح، فيما يمكن أن يقدم لنا خبرة بالغة الأهمية تتمثل في إمكان النهوض من جديد في ضوء فهم وإدراك العوامل التي قادتنا عبر قرون طويلة، إلى التدهور والانهيار.. إننا إذا استطعنا أن نحدد الأسباب، وتمكنا ـ بعدها ـ من استجاشة قدراتنا الإيمانية وتحفيز نقاط الارتكاز في تصورنا، من أجل تجاوز هذه الأسباب، نكون قد وضعنا خطواتنا في الطريق الصحيح، وعرفنا كيف ننسج حيثيات المشروع الحضاري في ضوء وعي كهذا يسعى للمضي إلى الهدف بأكبر قدر من التحرر من عوامل الشد والإعاقة والتعطيل.
إن هذه الحلقة تحمل ـ ولا ريب ـ أهميتها الأكاديمية في سياق دراسة الحضارات، ولكنها في تجربتنا المعاصرة، تحمل ـ فوق هذا ـ قيمة مضافة لأنها ستعيننا على بناء مشروعنا الحضاري بأكبر قدر من الوعي والاستبصار، وإن معاهدنا وأقسامنا المعنية بعلوم الشريعة لهي المنوطة ـ أكثر من غيرها بناءً على ذلك كله ـ بالتأصيل الإسلامي
للدراسة الحضارية وبصياغة منهج ملائم لتحقيق ذلك، قبالة محاولات الدارسين من خارج دائرة الإسلام، سواء كانوا مستشرقين أو مسيحيين أو ماديين، وبالإفادة منها في الوقت نفسه .. وإن هذا لن يتأتى إلا بإعطاء المساحة المناسبة للدراسات التاريخية والحضارية في هذه المعاهد والأقسام.
هناك ـ بكل تأكيد ـ نقص في محاولة توظيف بعض الحلقات الجامعية للارتفاع بوتائر العمل إلى مستويات أعلى.
بعض هذه الحلقات قد وظف بالفعل ولكن في حدوده الدنيا وبصيغ مترعة بالشروخ والأخطاء (وربما الكسل العقلي) ، وحلقات أخرى لم تمسها يد في هذه الجامعة أو تلك. وفي كلتا الحالتين فإن المطلوب هو الإفادة من كل الفرص المتاحة لتخرج عالم الشريعة الأقدر أكاديمياً والأكثر فاعلية وقدرة على الابتكار والعطاء.
هناك ـ على سبيل المثال ـ (البحث الخاص) أو (بحث التخرج) الذي يكلّف به طلبة المرحلة الأخيرة من البكالوريوس (الليسانس) على مدى عام دراسي بأكمله، ويشرف عليه ـ في الغالب ـ أستاذ المادة الأقرب في تخصصه الدقيق، إلى الموضوع مجال البحث.
إن البحث الخاص هذا، فرصة جيدة، في حالة الاختيار الجيد لموضوعاته، لتحقيق تلاحم أكثر مع المعرفة المعاصرة والحياة، ولجعل علوم الشريعة تغادر رفوف المكتبات العتيقة، وتنفض عنها التراب، تتحرك وتنبض وتتنفس في قلب العصر، مقدمة الشاهد"العلمي"على قدرتها التي لا يأسرها زمن أو مكان، على متابعة المتغيرات والشهادة عليها.
والمسألة قد لا تكلف كثيراً، فبمجرد أن يبذل الأستاذ جهداً مخلصاً لترتيب منظومة من موضوعات البحث الخاص في بدء كل عام دراسي، وتوزيعها على طلبة المرحلة المنتهية وفق توجهاتهم ورغباتهم وقدراتهم المعرفية قدر الإمكان، ثم متابعة عملهم أولاً بأول، من أجل أن تأتي بحوثهم بشكل أكثر احكاماً وإبداعاً، بمجرد أن يتحقق هذا وذاك، فإن حصيلة طيبة قد تتمخض عنه متمثلة بحشود من البحوث التي تمرّن خريج العلوم الشرعية على البحث، وتمنحه الدربة المنهجية الكافية، والتي تقدم ـ في الوقت نفسه ـ نويّات أو مشاريع بحوث قد ترفد المكتبة الإسلامية أو تعدها بمزيد من العطاء.
والذي يحدث ـ في كثير من الأحيان ـ اعتبار البحث الخاص، مفردة اعتيادية في مناهج المعاهد والكليات، كأية مفردة أخرى، قد لا تقتضي وقفة خاصة أو جهداً مضافاً أو اهتماماً كبيراً، وبالتالي فان التعامل معها سيتحرك عند سفوحه الدنيا، فلا يبدع ولا يعلم ولا يبتكر ولا يضيف جديداً. بل قد تنعكس الحالة أحياناً لما هو أسوأ من هذا وهي تأكيد عقلية التقليد والاجترار، والتعلق بتقاليد عصور تجاوزها التاريخ، بل ـ ربما ـ تعميق"النفرة"في نفسية الطالب إزاء كل ما يتعلق بعلوم الشريعة واندفاعه ـ في المقابل ـ صوب ما يعتبره تحققاً أكثر مع الحياة التي يعيشها بعقله ووجدانه بعيداً عن مطالب الشريعة ومقتضياتها.
وبموازاة هذا، وفي حلقة تالية، أكثر أهمية، لم يحسن التعامل مع مرحلة (الدراسات العليا: الدبلوم العالي والماجستير والدكتوراه) ولم توظف هذه الفرصة الفريدة للتعامل مع موضوعات غير تقليدية تعين على تحقيق الهدف المنشود.
وها هنا أيضاً يتحتم"الإحسان"في اختيار الموضوعات المناسبة لهذه الرسائل، وتوضيح مسوغاتها، وترتيب خططها، بما يجعل الطالب أقدر على التعامل معها وفق منهج أكثر دقة وإحكاماً.