فهرس الكتاب

الصفحة 212 من 27364

نعم! إن هذا الفيلم يحمل رسالة يهودية جديدة هذه المرة، فهو يصور للطفل ـ بطريقة سهلة غير مباشرة، وبأسلوب شائق ومثير ـ البدايات الأولى لتكوين الدولة اليهودية على أرض فلسطين المسلمة. وإدارة الشركة في هذا الفيلم تحرص على إظهار الحق التاريخي والديني لقضيتهم، فتجدهم يبدؤون قصة النشأة من هناك.. لحظة خروج اليهود من أرض مصر التي كانوا يذوقون فيها صنوف الذل والقهر والبطش من جيرانهم الأشرار.. فرعون وجنوده. كما يظهر الفيلم صورة رمزية لولادة نبيهم موسى - عليه السلام - الذي نجاه الله - تعالى - من القتل على أيدي الجنود الظلمة. ويختزل الفيلم حياة موسى - عليه السلام - الطويلة في بيت فرعون لتمثل تلك الرحلة الطويلة للبيضة من لحظة التقاطها إلى أن يقذف بها في الأرض الجديدة التي تمثل مرحلة النشأة؛ إذ لا حاجة لعرض تلك الفترة الطويلة التي لم تكن فيها أحداث مهمة تمس تاريخ اليهود. وهناك بين مجموعة من القرود الرحماء ينشأ ذلك الطريد الغريب ويُعَدُّ بعناية فائقة، غير أنه لا يطول به المقام، فبعد حياة الأمان والمرح والسعادة على تلك الأرض تحين ساعة الرحيل. وهنا يعمد مخرج الفيلم إلى ربط علمي مهم اختير بعناية فائقة ليصور نظرية من النظريات المقدمة لأسباب انقراض ديناصورات عصر الجوراسي قبل 225 مليون سنة كما يذكر الجيولوجيون؛ عندما كانت تعيش على الأرض ديناصورات آكلة نباتات إلى جانب أخرى بدائية آكلة لحوم مقاربة لحجم النعامة التي نراها اليوم، ليتوافق ذلك مع أسباب الخروج الفعلي لموسى - عليه السلام - من أرض مدين. وفي حين تتنزل الشهب والنيازك من السماء للقضاء على مظاهر الحياة هناك؛ فإن تدبيرًا آخر من السماء يختار فردًا كريمًا من أولئك المستضعفين ليقود قومه في رحلة النجاة إلى أرض الميعاد.

بهذه الإثارة والمعاناة ينتهي المقطع الأول للفيلم الذي يجتمع فيه التشويق مع مراعاة التسلسل المنطقي للأحداث.

ثم يبدأ المقطع الثاني، وفيه تتجلى النفسية اليهودية الحاقدة المليئة بالغدر والجحود والبهتان، وبخاصة مع نبيهم الكريم الذي أنقذهم الله - تعالى - به من حياة الذلة والمسكنة إلى حياة الحرية والاصطفاء. والحقيقة أن هذا النبي الكريم تعرض في حياته، وبعد مماته لصنوف من الأذى والمضايقات والافتراءات على يد اليهود قتلة الأنبياء والرسل. ويعود سبب ذلك الأذى والبغض لشدة هذا النبي الكريم عليهم بالحق، وغيرته على محارم الله - تعالى - التي ظل اليهود ينتهكونها، وشرائعه التي كفروا بها.. بدءًا من طلبهم أن يجعل لهم إلهًا من دون الله - تعالى -، وانتهاء بعبادتهم العجل من دون الله - سبحانه - في غيبته.

وفي هذا الفيلم تجلية لحقيقة ماثلة، وتصوير لمظهر من مظاهر ذلك الأذى بعد ألوف من السنين على وفاة موسى - عليه السلام -. والناظر لما يصدر عن النفسية اليهودية الحاقدة لا يقف طويلًا عند الهدف الخفي الذي يصوره المقطع القادم من الفيلم الذي يبدأ بهجرة ذلك الديناصور ـ المنقذ ـ بحثًا عن بني قومه الذين يلتقي بهم أخيرًا تائهين في وهج الشمس بصحراء سيناء القاحلة، وهائمين على وجوههم بلا ظل ولا ماء، وهم مع ذلك مطاردون من عدد من الديناصورات آكلة اللحوم الغاضبة. والملاحظ في الفيلم أن هذا الديناصور الشاب يجد القطيع منهكًا.. تائهًا لا يعرف إلى أين يسير مع أن له قائدًا ومساعدًا يوجهان حركته الضخمة. لم يكن لدى القطيع بد في المسير؛ فالقائد ـ كما يصوره مخرج الفيلم ـ فظ غليظ القلب، شرس الطباع، ظالم لا يرحم الضعفاء وكبار السن والمرضى، وهو مضطرب في قراراته؛ فها هو يصدر أوامره الصارمة فجأة بالتوقف للراحة، وبعد قليل يصدر أمرًا آخر مفاجئًا وأكثر صرامة ليتحرك القطيع قبل أن يأخذ راحته، وعن يمينه يسير ذلك المساعد الذي صُوِّر على أنه ديناصور تابع لا حول له ولا قوة، فهو يأتمر بما يأمره به، وينتهي عما ينهاه عنه، ويحفظ القطيع كلما عرض للقائد عارض.

لعلكم بعد هذا العرض أدركتم ـ كذلك ـ أبطال الفيلم من وجهة نظر اليهود! ولسبب ما تنقلب الشخصيتان؛ فرمز موسى - عليه السلام - في الفيلم ينقلب إلى رمز آخر جديد يعتبره اليهود المخلص الحقيقي لهم، في حين يُصوَّر موسى - عليه السلام - في رمز ذلك القائد العنيف الظالم.

لكن من هي الشخصية الجديدة التي استولت على البطولة، وسحبت البساط من تحت أقدام ذلك الشاب الفتي الذي نشأ وترعرع ليحقق حلم عودة القطيع إلى أرض الميعاد؟

إن المتتبع للتاريخ اليهودي الحديث لن يقف طويلًا عند ـ تخمين ـ تلك الشخصية التي يقدرها اليهود ويكنون لها الإعجاب والاحترام، فهذه الشخصية تعود للزعيم الصهيوني «حاييم وايزمان» الذي يصفه اليهود بأنه (الرجل الذي قاد شعب الله المختار إلى أرض الميعاد في أشهر لم يستطع موسى - عليه السلام - أن يقودهم إليها طوال أربعين عامًا) ، وتناسى اليهود أن غضب الله - تعالى - ولعنته التي حلت بهم ـ بسبب كفرهم ـ هي التي أوجبت عليهم الشقاء والتيه في أرض سيناء تلك المدة الطويلة التي توفي فيها هارون - عليه السلام - ثم لحقه موسى - عليه السلام -.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت